إنّ المتولّدات منفصلة عن السبب حادثة كحدوث نفس السبب ، فأمكن أن يقال إنّه حدث من جهة القادر ، وموجب العلّة ليس بأمر يحدث ، فتصحّ إضافته إلى الفاعل ، بل ليس ينفصل عن المعلول فافترقا . وتبيّن صحّة ذلك أنّ مع وجود السبب يصحّ وجود عارض يمنع من وجود المسبّب فلا يثبت له حظ الإيجاب على الحقيقة ، بل يكون حكمه حكم ما يقع بالدواعي أنّه يتصوّر أن يقابله داع آخر فلا يقع .
فصحّت إضافته إلى المحدث منّا ، وموجب العلّة مما لا يقع فيه منع فلم تصحّ إضافته إلى الفاعل ( ق ، ت 1 ، 401 ، 21 )
- اعلم أنّ " لشيوخنا البغداديين " وغيرهم طريقة في إثبات المتولّدات غير ما نقوله . فإنّهم يجعلون الإدراك معنى ويجعلونه مقدورا للعباد . وكذلك يجعلون اللون والطعم والحرارة وما شاكلها مقدورا للعباد . فقالوا :
إنّه عند حضور المدرك وفتح الجفن وزوال الموانع وغير ذلك يحصل الإدراك ويحصل العلم أيضا ، فيجب أن يكون بحركته قد أوجب الإدراك والعلم . وكذلك فعند ضرب الدبس يحصل البياض في الناظف ، وعند حكّ بعض الجسم ببعض تحصل الحرارة ، وعند قدح الحجر تحصل النار ، وعند خلط الزاج بالعفص يحصل السواد . وكذلك الحال فيما شاكله في الألوان ( ق ، ت 1 ، 408 ، 21 )
- لا يمكنهم أيضا أن يدّعوا أنّ المتولّدات كلّها تقترن بأسبابها ، لأنّا قد بيّنا أنّ فيها ما يتراخى وفيها ما يقارن . وعلى ذلك بنينا الإلزام فيما يظهر تراخيه من الإصابة بعد الرمي . وليس يجب إذا كنّا نفصل بين المبتدأ والمتولّد في مقدار الأوقات التي يلزم تقدّم القدرة عليها أن نفصل بينهما في وجوب تقدّمها رأسا ، لأنّا إنّما فرّقنا بينهما في هذا الوجه لعلّة تحصل في أحد الموضعين دون الآخر وهما متساويان في وجوب تقدّمها على الجملة ( ق ، ت 2 ، 123 ، 10 )
- إنّ المتولّدات التي هي الحركات تقع بحسب قدرة ، لأنّه إنّما يصحّ أن يحرّك ويحمل الثقيل بحسب ما فيه من القدرة ، ولذلك تتفاوت أحوال القادرين منّا في ذلك بحسب قدرهم ، وإن اشتركوا في إرادة ذلك في بعض الأحوال ( ق ، غ 9 ، 40 ، 4 )
- أمّا المتولّدات التي تعدّيها عن محل القدرة عليها يولّدها الاعتماد فقط دون الحركات ، وهو الذي أراده شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه بقوله في البغداديّات وغيرها ، ولا يثبت غير الاعتماد سببا من أفعال الجوارح فقد مرّ في كلامه مفصّلا في الجامع أنّ التأليف يتولّد عن الاعتماد ، ويولّده على وجهين : أحدهما بأن يولّد الكون ويولّد التأليف من بعد الكون ، والثاني أن يفعل فيه تأليفا بعد تأليف بالاعتمادات وإن لم يفعله بعد الكون ، كرجل جمع أصابعه وفعل فيها عند شدّة الاعتمادات تأليفا ( ق ، غ 9 ، 138 ، 4 )
- فإن قيل : فيجب أن يكون العلم بتولّده عن النظر ، أن يقدر هذا الناظر عليه ، وأن يقدر على تركه . لأنّ من حق القادر على الشيء أن يقدر على تركه . قيل له : إنّ المتولّدات لا تروك لها ، فلا يجب ما سألت عنه ؛ ولأنّه إذا لم يكن له ترك ، فمحال أن يقال : إنّ القادر عليه يجب أن يقدر على تركه . ولا يجب أن يكون محمولا عليه ، إذا لم يصحّ أن ينصرف إلى تركه . لأنّه يمكنه أن لا يفعل العلم بأن لا يفعل النظر ،
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي — صفحة 1169
مساهمون: سميح دغيم
ص١١٦٩