بالمجد قرع عصبيتهم ، وكبح من أعنّتهم واستأثر بالأموال دونهم ، فتكاسلوا عن الغزو ، وفشل ريحهم ، ورئموا المذلّة والاستعباد . ثم ربي الجيل الثاني منهم على ذلك ، يحسبون ما ينالهم من العطاء أجرا من السلطان لهم على الحماية والمعونة ، لا يجري في عقولهم سواه .
وقلّ أن يستأجر أحد نفسه على الموت .
فيصير ذلك وهنا في الدولة ، وخضدا من الشوكة ، وتقبل به على مناحي الضعف والهرب لفساد العصبيّة بذهاب البأس من أهلها . الوجه الثاني أنّ طبيعة الملك تقتضي الترف كما قدّمناه ، فتكثر عوائدهم وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم ، ولا يفي دخلهم بخرجهم ، فالفقير منهم يهلك ، والمترف يستغرق عطاءه بترفه ، ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخّرة إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده ، وتمسّهم الحاجة وتطالبهم ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو والحرب ، فلا يجدون وليجة عنها ، فيوقعون بهم العقوبات ، وينتزعون ما في أيدي الكثير منهم يستأثرون به عليهم ، أو يؤثرون به أبناءهم وصنائع دولتهم ، فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم ، ويضعف صاحب الدولة بضعفهم . ( مقد 2 ، 542 ، 1 )
- إنّ طبيعة الملك تقتضي الترف ، فتكثر عوائدهم وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم ، ولا يفي دخلهم بخرجهم ، فالفقير منهم يهلك ، والمترف يستغرق عطاءه بترفه ، ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخّرة إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده ، وتمسّهم الحاجة وتطالبهم ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو والحرب ، فلا يجدون وليجة عنها ، فيوقعون بهم العقوبات ، وينتزعون ما في أيدي الكثير منهم يستأثرون به عليهم ، أو يؤثرون به أبناءهم وصنائع دولتهم ، فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم ، ويضعف صاحب الدولة بضعفهم . وأيضا إذا كثر الترف في الدولة وصار عطاؤهم مقصرا عن حاجاتهم ونفقاتهم ، احتاج صاحب الدولة الذي هو السلطان إلى الزيادة في أعطياتهم حتى يسد خللهم ، ويزيح عللهم . والجباية مقدارها معلوم ، ولا تزيد ولا تنقص ، وإن زادت بما يستحدث من المكوس فيصير مقدارها بعد الزيادة محدودا . فإذا وزعت الجباية على الأعطيات وقد حدثت فيها الزيادة لكل واحد بما حدث من ترفهم وكثرة نفقاتهم ، نقص عدد الحامية حينئذ عمّا كان قبل زيادة الأعطيات . ثم يعظم الترف وتكثر مقادير الأعطيات لذلك ، فينقص عدد الحامية ، وثالثا ورابعا إلى أن يعود العسكر إلى أقل الأعداد ؛ فتضعف الحماية لذلك ، وتسقط قوة الدولة ويتجاسر عليها من يجاورها من الدول أو من هو تحت يديها من القبائل والعصائب ، ويأذن اللّه فيها بالفناء الذي كتبه على خليقته .
( مقد 2 ، 542 ، 15 )
- إنّ طبيعة الملك تقتضي الدعة ، وإذا اتّخذوا الدعة والراحة مألفا وخلقا صار لهم ذلك طبيعة وجبلة شأن العوائد كلّها
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 270
مساهمون: رفيق العجم
ص٢٧٠