( مقد 2 ، 515 ، 5 )
- إنّ العرب لا يحصل لهم الملك إلّا بصبغة دينيّة من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة : والسبب في ذلك أنّهم لخلق التوحّش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة ؛ فقلّما تجتمع أهواؤهم . فإذا كان الدين بالنبوّة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم ، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم ، فسهل انقيادهم واجتماعهم . وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة الوازع عن التحاسد والتنافس . فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر اللّه ، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ، ويؤلّف كلمتهم لإظهار الحق ، تمّ اجتماعهم وحصل لهم التغلّب والملك . ( مقد 2 ، 516 ، 11 )
- إنّ الملك والدولة العامّة إنّما يحصلان بالقبيل والعصبية : وذلك . . . أنّ المغالبة والممانعة إنّما تكون بالعصبيّة لما فيها من النّعرة والتذامر واستماتة كل واحد منهم دون صاحبه ، ثم إنّ الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيويّة والشهوات البدنيّة والملاذ النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا ، وقلّ أن يسلّمه أحد لصاحبه إلّا إذا غلب عليه ؛ فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة ؛ وشيء منها لا يقع إلّا بالعصبيّة كما ذكرناه وشيء منها لا يقع إلّا بالعصبيّة كما ذكرناه آنفا . وهذا الأمر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ومتناسون له ، لأنّهم نسوا عهد تمهيد الدولة منذ أوّلها ، وطال أمد مرباهم في الحضارة وتعاقبهم فيها جيلا بعد جيل ؛ فلا يعرفون ما فعل اللّه أوّل الدولة ؛ إنّما يدركون أصحاب الدولة وقد استحكمت صبغتهم ، ووقع التسليم لهم ، والاستغناء عن العصبيّة في تمهيد أمرهم ، ولا يعرفون كيف كان الأمر من أوله ، وما لقي أولهم من المتاعب دونه ؛ وخصوصا أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية وأثرها لطول الأمد واستغنائهم في الغالب عن قوّة العصبيّة بما تلاشى وطنهم وخلا من العصائب . ( مقد 2 ، 521 ، 5 )
- إنّ من طبيعة الملك الانفراد بالمجد ، وذلك أنّ الملك كما قدّمناه إنّما هو بالعصبيّة ، والعصبيّة متألّفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلّها فتغلبها وتستولي عليها ، حتى تصيّرها جميعا في ضمنها ، وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول . وسرّه أنّ العصبيّة العامّة للقبيل هي مثل المزاج للمتكوّن ؛ والمزاج إنّما يكون عن العنصر ؛ وقد تبيّن في موضعه أنّ العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا ، بل لا بدّ أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلّفها وتصيّرها عصبيّة واحدة شاملة لجميع العصائب ، وهي موجودة في ضمنها . وتلك العصبيّة الكبرى إنّما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم ؛ ولا بدّ أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم ؛ فيتعيّن رئيسا للعصبيّات كلّها لغلب منبته لجميعها . وإذا تعيّن له
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 268
مساهمون: رفيق العجم
ص٢٦٨