تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
ويردّهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه ، حتى يقرّ الأمر في نصابه ، ويفرد أهل بيته بما يبني من مجده . فيعاني من مدافعتهم ومغالبتهم مثل ما عاناه الأولون في طلب الأمر أو أشدّ ؛ لأن الأولين دافعتهم الأجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم ؛ وهذا يدافع الأقارب لا يظاهره على مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد ، فيركب صعبا من الأمر . الطور الثالث : طور الفراغ والدّعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدّخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها ، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتّسعة والهياكل المرتفعة ، وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل ، وبثّ المعروف في أهله ، هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه ؛ واعتراض جنوده وإدرار أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكّتهم وشاراتهم يوم الزينة ، فيباهي بهم الدول المسالمة ، ويرهب الدول المحاربة . وهذا آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة . لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم ، بانون لعزّهم ، موضحون الطرق لمن بعدهم . الطور الرابع : طور القنوع والمسالمة . ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه ، سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله ، مقلّدا للماضين من سلفه ، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء ، ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده . الطور الخامس : طور الإسراف والتبذير . ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه ، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدّمن ( الذي يخرج من أصل سيّئ ) ، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها ، ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منها ، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه ، حتى يضطغنوا عليه ، ويتخاذلوا عن نصرته ، مضيعا من جنده بما أنفق أعطياتهم في شهواته ، وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقّده . فيكون مخرّبا لما كان سلفه يؤسّسون ، وهادما لما كانوا يبنون . وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ، ولا يكون لها معه برء ، إلى أن تنقرض . ( مقد 2 ، 553 ، 18 ) - الملك منصب طبيعي للإنسان ؛ لأنّا قد بيّنا ( ابن خلدون ) أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلّا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضروريّاتهم . وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات ، ومدّ كلّ واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه ، لما في الطبيعة الحيوانيّة من الظلم والعدوان بعضهم على
موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 272 | رفيق العجم