فالصالحون للدين ؛ والعلماء للّجإ إليهم في إقامة مراسم الشريعة ؛ والتجار للترغيب حتى تعمّ المنفعة بما في أيديهم ؛ والغرباء من مكارم الأخلاق ؛ وإنزال الناس منازلهم من الإنصاف وهو من العدل . فيعلم بوجود ذلك من عصبيّته انتماؤهم للسياسة العامّة وهي الملك ، وأنّ اللّه قد تأذّن بوجودها فيهم لوجود علاماتها . ولهذا كان أول ما يذهب من القبيل أهل الملك إذا تأذّن اللّه تعالى بسلب ملكهم وسلطانهم إكرام هذا النصف من الخلق . فإذا رأيته قد ذهب من أمّة من الأمم فاعلم أنّ الفضائل قد أخذت في الذهاب عنهم ، وارتقب زوال الملك منهم . ( مقد 2 ، 507 ، 7 ) .
- الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بدّ من عودته إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية ، والسبب في ذلك أن الملك إنما حصل لهم بعد سورة الغلب والإذعان لهم من سائر الأمم سواهم ، فيتعيّن منهم المباشرون للأمر الحاملون لسرير الملك . ولا يكون ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنها نطاق المزاحمة والغيرة التي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة . فإذا تعيّن أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم ، وغرقوا في بحر الترف والخصب ، واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل ، وأنفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها . وبقي الذين بعدوا عن الأمر وكبحوا عن المشاركة في ظلّ من عزّ الدولة التي شاركوها بنسبهم ، وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف وأسبابه . فإذا استولت على الأوّلين الأيام ، وأباد خضراءهم الهرم ، فطبختهم الدولة ، وأكل الدهر عليهم وشرب ، بما أرهف النعيم من حدّهم ، واشتفت غريزة الترف من مائهم ، وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدّن الإنسانيّ والتغلّب السياسي . . . كانت حينئذ عصبيّة الآخرين موفورة ، وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة ، وشارتهم في الغلب معلومة ؛ فتسمو آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوّة الغالبة من جنس عصبيّتهم ، وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم ، فيستولون على الأمر ويصير إليهم .
وكذا يتّفق فيهم مع من بقي أيضا منتبذا عنه من عشائر أمّتهم . فلا يزال الملك ملجأ في الأمّة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها . سنّة اللّه في الحياة الدنيا ،
وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
( الزخرف : 35 ) . واعتبر هذا بما وقع في العرب لمّا انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود ، ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ، ومن بعدهم إخوانهم من حمير ، ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضا ، ومن بعدهم الأذواء كذلك ، ثم جاءت الدولة لمضر .
. . . وأصل هذا كلّه إنّما يكون بالعصبيّة ؛ وهي متفاوتة في الأجيال ؛ والملك يخلقه التّرف ويذهبه ، كما سنذكره بعد . ( مقد 2 ، 508 ، 13 ) - إنّ وجود الملك خاصّة طبيعيّة للإنسان لا يستقيم وجودهم واجتماعهم إلّا بها .