تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وإيلافها ، فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد الترف والدعة ، وينقلب خلق التوحّش ، وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك ، من شدّة البأس ، وتعوّد الافتراس ، وركوب البيداء ، وهداية القفر . فلا يفرّق بينهم وبين السّوقة من الحضر إلّا في الثقافة والشارة ، فتضعف حمايتهم ، ويذهب بأسهم ، وتنخضد شوكتهم ، ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس به من ثياب الهرم . ( مقد 2 ، 544 ، 5 ) - إنّ الغلب الذي يكون به الملك إنّما هو بالعصبيّة وبما يتبعها من شدّة البأس وتعوّد الافتراس ؛ ولا يكون ذلك غالبا إلّا مع البداوة ؛ فطور الدولة من أوّلها بداوة . ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال ، والحضارة إنّما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله ؛ فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنّق فيه تختصّ به ويتلو بعضها بعضا . ( مقد 2 ، 548 ، 7 ) - إذا حصل لهم ( القبيل ) الملك والترف كثر التناسل والولد والعمومية ، فكثرت العصابة ؛ واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرّفه فازدادوا بهم عددا إلى عددهم وقوّة إلى قوّتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد . فإذا ذهب الجيل الأول والثاني وأخذت الدولة في الهرم لم تستقل أولئك الصنائع والموالي بأنفسهم في تأسيس الدولة وتمهيد ملكها ، لأنهم ليس لهم من الأمر شيء ، إنما كانوا عيالا على أهلها ومعونة لها ؛ فإذا ذهب الأصل لم يستقل الفرع بالرسوخ فيذهب ويتلاشى ؛ ولا تبقى الدولة على حالها من القوة . ( مقد 2 ، 552 ، 14 ) - الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجدّدة ، ويكتسب القائمون بها في كلّ طور خلقا من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الآخر ، لأن الخلق تابع بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه . وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار : الطور الأول : طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع ، والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها . فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية ، لا ينفرد دونهم بشيء ؛ لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها . الطور الثاني : طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة . ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيّا باصطناع الرجال واتّخاذ الموالي والصنائع ، والاستكثار من ذلك ، لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبة ، الضاربين في الملك بمثل سهمه . فهو يدافعهم عن الأمر ، ويصدّهم عن موارده ،