تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة ؛ فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكّم فيهم ؛ ويجيء خلق التألّه الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم ، لفساد الكل باختلاف الحكام :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
( الأنبياء : 22 ) . فتجدع حينئذ أنوف العصبيّات وتفلج شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكّم ، وتقرع عصبيتهم عن ذلك ، وينفرد به ما استطاع ، حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا ، فينفرد بذلك المجد بكلّيته ؛ ويدفعهم عن مساهمته ؛ وقد يتمّ ذلك للأول من ملوك الدولة ، وقد لا يتمّ إلّا للثاني والثالث على قدر ممانعة العصبيّات وقوتها . إلا أنّه أمر لا بدّ منه في الدول . ( مقد 2 ، 539 ، 15 ) - إن من طبيعة الملك الترف ، وذلك أن الأمّة إذا تغلّبت وملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر رياشها ونعمتها فتكثر عوائدهم ؛ ويتجاوزون ضرورات العيش وخشونته إلى نوافله ورقّته وزينته . ويذهبون إلى اتباع من قبلهم في عوائدهم وأحوالهم . وتصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها ، وينزعون مع ذلك إلى رقّة الأحوال في المطاعم والملابس والفرش والآنية . ويتفاخرون في ذلك ويفاخرون فيه غيرهم من الأمم ، في أكل الطيّب ولبس الأنيق وركوب الفاره ، ويناغي خلفهم في ذلك سلفهم إلى آخر الدولة . وعلى قدر ملكهم يكون حظهم من ذلك ، وترفهم فيه ، إلى أن يبلغوا من ذلك الغاية التي للدولة أن تبلغها بحسب قوّتها وعوائد من قبلها . ( مقد 2 ، 540 ، 16 ) - إن من طبيعة الملك الدعة والسكون ، وذلك أنّ الأمّة لا يحصل لها الملك إلّا بالمطالبة . والمطالبة غايتها الغلب والملك ، وإذا حصلت الغاية انقضى السعي إليها . . . فإذا حصل الملك أقصروا عن المتاعب التي كانوا يتكلّفونها في طلبه ، وآثروا الراحة والسكون والدعة ، ورجعوا إلى تحصيل ثمرات الملك من المباني والمساكن والملابس ، فيبنون القصور ، ويجرّون المياه . ويغرسون الرياض ، ويستمتعون بأحوال الدنيا ، ويؤثرون الراحة على المتاعب ، ويتأنّقون في أحوال الملابس والمطاعم والآنية والفرش ما استطاعوا ، ويألفون ذلك ويورّثونه من بعدهم من أجيالهم . ولا يزال ذلك يتزايد فيهم إلى أن يتأذّن اللّه بأمره ، وهو خير الحاكمين . ( مقد 2 ، 541 ، 5 ) - إذا استحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والطاعة أقبلت الدولة على الهرم ، وبيانه من وجوه : الأوّل أنها تقتضي الانفراد بالمجد كما قلناه . وما كان المجد مشتركا بين العصابة ، وكان سعيهم له واحدا ، كانت هممهم في التغلّب على الغير والذبّ عن الحوزة أسوة في طموحها وقوة شكائمها ، ومرماهم إلى العزّ جميعا ، وهم يستطيبون الموت في بناء مجدهم ويؤثرون الهلكة على فساده . وإذا انفرد الواحد منهم