تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
بعض ، ويمانعهم الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة ومقتضى القوة البشرية في ذلك ، فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة ، وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس ، المفضي ذلك إلى انقطاع النوع ، وهو مما خصّه الباري سبحانه بالمحافظة ، واستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض ؛ واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم ، وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكّم ولا بدّ في ذلك من العصبية لما قدّمناه من أنّ المطالبات كلّها ، والمدافعات لا تتمّ إلّا بالعصبيّة . وهذا الملك كما تراه منصب شريف تتوجّه نحوه المطالبات ويحتاج إلى المدافعات ؛ ولا يتمّ شيء من ذلك إلّا بالعصبيّات كما مرّ والعصبيّات متفاوتة ، وكل عصبية فلها تحكّم وتغلّب على من يليها من قومها وعشيرها . وليس الملك لكل عصبيّة ، وإنّما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعيّة ويجبي الأموال ويبعث البعوث ويحمي الثغور ، ولا تكون فوق يده يد قاهرة . وهذا معنى الملك وحقيقته في المشهور . فمن قصرت به عصبيته عن بعضها مثل حماية الثغور أو جباية الأموال أو بعث البعوث فهو ملك ناقص لم تتمّ حقيقته ؛ كما وقع لكثير من ملوك البربر في دولة الأغالبة بالقيروان ولملوك العجم صدر الدولة العباسية . ومن قصرت به عصبيّته أيضا عن الاستعلاء على جميع العصبيّات ، والضرب على سائر الأيدي ، وكان فوقه حكم غيره ، فهو أيضا ملك ناقص لم تتم حقيقته ؛ وهؤلاء مثل أمراء النواحي ورؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة . وكثيرا ما يوجد هذا في الدولة المتّسعة النطاق ، أعني توجد ملوك على قومهم في النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة التي جمعتهم : مثل صنهاجة مع العبيديّين ؛ وزناتة مع الأمويّين تارة والعبيديّين تارة أخرى ؛ ومثل ملوك العجم في دولة بني العباس ؛ ومثل أمراء البربر وملوكهم مع الفرنجة قبل الإسلام ؛ ومثل ملوك الطوائف من الفرس مع الإسكندر وقومه اليونانيين ؛ وكثير من هؤلاء . فاعتبره تجده . ( مقد 2 ، 573 ، 7 ) - لمّا كانت حقيقة الملك أنّه الاجتماع الضروريّ للبشر ، ومقتضاه التغلّب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانيّة ، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق ، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم ، لحمله إيّاهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته ، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من الخلف إلى السلف منهم ، فتعسر طاعته لذلك ، وتجيء العصبيّة المفضية إلى الهرج والقتل . فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسيّة مفروضة يسلّمها الكافّة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم . وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ، ولا يتمّ استيلاؤها :
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ
( الأحزاب :