يحصل لمن توهّم الكمال ، وأنّ الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة ، كالعالم المتبحّر في علمه ، أو الكاتب المجيد في كتابته ، أو الشاعر البليغ في شعره ؛ وكل محسن في صناعته يتوهّم أنّ الناس محتاجون لما بيده ، فيحدث له ترفّع عليهم بذلك . وكذا يتوهّم أهل الأنساب ، ممن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور ، يعتبرون بما رأوه أو سمعوه من حال آبائهم في المدينة ، ويتوهّمون أنّهم استحقّوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم . فهم متمسّكون في الحاضر بالأمر المعدوم . وكذلك أهل الحيلة والبصر والتجارب بالأمور قد يتوهّم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا إليه . وتجد هؤلاء الأصناف كلّهم مترفّعين لا يخضعون لصاحب الجاه ولا يتملّقون لمن هو أعلى منهم ، ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس .
فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعدّه مذلّة وهوانا وسفها ، ويحاسب الناس في معاملتهم إيّاه بمقدار ما يتوهّم في نفسه ، ويحقد على من قصر له في شيء مما يتوهّمه من ذلك ، وربما يدخل على نفسه الهموم والأحزان من تقصيرهم فيه ، ويستمرّ في عناء عظيم من إيجاب الحقّ لنفسه أو إباية الناس له من ذلك . ويحصل له المقت من الناس لما في طباع البشر من التألّه ؛ وقلّ أن يسلّم أحد منهم لأحد في الكمال والترفّع عليه ، إلّا أن يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة ؛ وهذا كلّه في ضمن الجاه .
فإذا فقد صاحب هذا الخلق الجاه وهو مفقود له كما تبيّن لك ، مقته الناس بهذا الترفّع ، ولم يحصل له حظ من إحسانهم ، وفقد الجاه لذلك من أهل الطبقة التي هي أعلى منه ، لأجل المقت وما يحصل له بذلك من القعود عن تعاهدهم وغشيان منازلهم ، ففسد معاشه ، وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ذلك بقليل ، وأمّا الثروة فلا تحصل له أصلا . ومن هذا اشتهر بين الناس أنّ الكامل في المعرفة محروم من الحظ ، وأنّه قد حوسب بما رزق من المعرفة واقتطع له ذلك من الحظ ؛ وهذا معناه ومن خلق لشيء يسّر له . ( مقد 2 ، 923 ، 9 )
كتاب الجفر
- أما المنجّمون فيستندون في حدثان الدول على الخصوص إلى كتاب الجفر ، ويزعمون أن فيه علم ذلك كله من طريق الآثار والنجوم ، لا يزيدون على ذلك ، ولا يعرفون أصل ذلك ولا مستنده . واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي - وهو رأس الزيدية - كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق ، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص . وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء . وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير ، فرواه عنه هارون العجلي