الذي كان به الالتحام إنّما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت والحياة . وإذا حصل الالتحام بذلك جاءت النعرة والتناصر ، وهذا مشاهد بين الناس .
واعتبر مثله في الاصطناع ؛ فإنّه يحدث بين المصطنع ومن اصطنعه نسبة خاصّة من الوصلة تتنزّل هذه المنزلة وتؤكّد اللحمة ؛ وإن لم يكن نسب فثمرات النسب موجودة . ( مقد 2 ، 568 ، 15 )
عصبيّة الحاكم
- يحاولون ( الفلاسفة ) إثبات النبوّة بالدليل العقلي ، وأنّها خاصّة طبيعيّة للإنسان ، فيقرّرون هذا البرهان إلى غايته وأنّه لا بدّ للبشر من الحكم الوازع ، ثم يقولون بعد ذلك : الحكم يكون بشرع مفروض من عند اللّه يأتي به واحد من البشر ؛ وأنّه لا بدّ أن يكون متميّزا عنهم بما يودع اللّه فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه ، حتى يتمّ الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزييف . وهذه القضية للحكماء غير برهانيّة كما تراه ؛ إذا الوجود وحياة البشر قد تتمّ من دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه ، أو بالعصبيّة التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادّته . ( مقد 1 ، 339 ، 17 )
عصبيّة عامّة
- إنّ من طبيعة الملك الانفراد بالمجد ، وذلك أنّ الملك كما قدّمناه إنّما هو بالعصبيّة ، والعصبيّة متألّفة من عصبيات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلّها فتغلبها وتستولي عليها ، حتى تصيّرها جميعا في ضمنها ، وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول . وسرّه أنّ العصبيّة العامّة للقبيل هي مثل المزاج للمتكوّن ؛ والمزاج إنّما يكون عن العنصر ؛ وقد تبيّن في موضعه أنّ العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا ، بل لا بدّ أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلّفها وتصيّرها عصبيّة واحدة شاملة لجميع العصائب ، وهي موجودة في ضمنها . وتلك العصبيّة الكبرى إنّما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم ؛ ولا بدّ أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم ؛ فيتعيّن رئيسا للعصبيّات كلّها لغلب منبته لجميعها . وإذا تعيّن له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة ؛ فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكّم فيهم ؛ ويجيء خلق التألّه الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم ، لفساد الكل باختلاف الحكام :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
( الأنبياء :
22 ) . فتجدع حينئذ أنوف العصبيّات وتفلج شكائمهم عن أن يسمّوا إلى مشاركته في التحكّم ، وتقرع عصبيتهم عن ذلك ، وينفرد به ما استطاع ، حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة ولا جملا ، فينفرد بذلك المجد بكلّيته ؛ ويدفعهم عن مساهمته ؛ وقد يتمّ ذلك للأول من ملوك الدولة ، وقد لا