تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
فقدانها ؛ فما رئموا للمذلّة حتى عجزوا عن المدافعة ، ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة . ( مقد 2 ، 502 ، 3 ) - العصبيّة . . . هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة ، وإنّ من فقدها عجز عن جميع ذلك كلّه . ( مقد 2 ، 503 ، 8 ) - إذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها ، وهي الخلال ؛ لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عريانا بين الناس . وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في أهل البيوت والأحساب ، فما ظنّك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب . ( مقد 2 ، 505 ، 1 ) - إنّ الملك إنّما حصل لهم ( بعض الشعوب ) بعد سورة الغلب والإذعان لهم من سائر الأمم سواهم ، فيتعيّن منهم المباشرون للأمر الحاملون لسرير الملك . ولا يكون ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنها نطاق المزاحمة والغيرة التي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة . فإذا تعيّن أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم ، وغرقوا في بحر الترف والخصب ، واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل ، وأنفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها . وبقي الذين بعدوا عن الأمر وكبحوا عن المشاركة في ظلّ من عزّ الدولة التي شاركوها بنسبهم ، وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف وأسبابه . فإذا استولت على الأوّلين الأيام ، وأباد خضراءهم الهرم ، فطبختهم الدولة ، وأكل الدهر عليهم وشرب ، بما أرهف النعيم من حدّهم ، واشتفت غريزة الترف من مائهم ، وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدّن الإنسانيّ والتغلّب السياسي . . . كانت حينئذ عصبيّة الآخرين موفورة ، وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة ، وشارتهم في الغلب معلومة ؛ فتسمو آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوّة الغالبة من جنس عصبيّتهم ، وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم ، فيستولون على الأمر ويصير إليهم . وكذا يتّفق فيهم مع من بقي أيضا منتبذا عنه من عشائر أمّتهم . فلا يزال الملك ملجأ في الأمّة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها . سنّة اللّه في الحياة الدنيا ،
وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ
( الزخرف : 35 ) . واعتبر هذا بما وقع في العرب لمّا انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود ، ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ، ومن بعدهم إخوانهم من حمير ، ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضا ، ومن بعدهم الأذواء كذلك ، ثم جاءت الدولة لمضر . . . . وأصل هذا كلّه إنّما يكون بالعصبيّة ؛ وهي متفاوتة في الأجيال ؛ والملك يخلقه التّرف ويذهبه ، كما سنذكره بعد . فإذا انقرضت دولة فإنّما يتناول الأمر منهم من له عصبيّة مشاركة لعصبيّتهم التي عرف لها التسليم والانقياد ، وأونس منها الغلب