والأوطان لا تزيد عليها ، والسبب في ذلك أنّ عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لا بدّ من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم ، ويستولون عليها لحمايتها من العدو ، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك . فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بدّ من نفاد عددها ، وقد بلغت للمالك حينئذ إلى حدّ يكون ثغرا للدولة ؛ وتخما لوطنها ؛ ونطاقا لمركز ملكها . فإن تكلّفت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدوّ والمجاور ؛ ويعود وبال ذلك على الدولة ، بما يكون فيه من التجاسر وخرق سياج الهيبة . وما كانت العصابة موفورة ولم ينفد عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي ، بقي في الدولة قوّة على تناول ما وراء الغاية ، حتى ينفسح نطاقها إلى غايته . والعلّة الطبيعيّة في ذلك هي قوّة العصبيّة من سائر القوى الطبيعيّة ، وكل قوة يصدر عنها فعل من الأفعال فشأنها ذلك في فعلها . والدولة في مركزها أشدّ مما يكون في الطرف والنطاق . وإذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت وأقصرت عمّا وراءه . ( مقد 2 ، 532 ، 18 )
عصبيّة
- أمّا أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم بما وقر في نفوس الكافّة لهم من الوقار والتّجلّة . وأمّا حللهم فإنّما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم . ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلّا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد ؛ لأنّهم بذلك تشتدّ شوكتهم ويخشى جانبهم ؛ إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم ؛ وما جعل اللّه في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقربائهم موجودة في الطبائع البشريّة ، وبها يكون التعاضد والتناصر ، وتعظم رهبة العدو لهم . . . وأمّا المتفرّدون في أنسابهم فقلّ أن تصيب أحدا منهم نعرة على صاحبه . فإذا أظلم الجو بالشرّ يوم الحرب تسلّل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشا من التخاذل . فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنّهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم . وإذا تبيّن ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبيّن لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوّة أو إقامة ملك أو دعوة ؛ إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتمّ بالقتال عليه ، لما في طبائع البشر من الاستعصاء ، ولا بدّ في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفا .
( مقد 2 ، 483 ، 4 )
- العصبية . . . بها يكون التعاضد والتناحر .
( مقد 2 ، 483 ، 7 )
- إن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب . . . وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلّا في الأقل . ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم