وإلّا لم تستقم سياسته . ( مقد 2 ، 516 ، 16 )
- إنّ العرب أبعد الناس عن الصنائع ، والسبب في ذلك أنّهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضريّ ، وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها . والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانيّة عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها لأنّهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه : حتى إن الإبل التي أعانت العرب على التوحّش في القفر والإعراق في البدو وعمرانه مفقودة لديهم بالجملة ومفقودة مراعيها والرمال المهيّئة لنتاجها . ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر . وانظر بلاد العجم من الصين والهند وأرض الترك وأمم النصرانيّة كيف استكثرت فيهم الصنائع واستجلبها الأمم من عندهم . ( مقد 2 ، 941 ، 7 )
عرب القفار
- اعلم أنّ هذه الأقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب وكل سكانها في رغد من العيش ؛ بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش ، من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه لزكاة المنابت واعتدال الطينة ووفر العمران ؛ وفيها الأرض الحرّة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة ، فسكانها في شظف من العيش : مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثّمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان ، فإنّ هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملة ، وإنّما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم ؛ ومثل العرب أيضا الجائلين في القفار ، فإنّهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والأدم من التلول إلّا أنّ ذلك في الأحايين وتحت رقبة من حاميتها ، وعلى الإقلال لقلّة وجدهم فلا يتوصلون منه إلى سدّ الخلّة أو دونها فضلا عن الرغد والخصب ، وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان وتعوّضهم من الحنطة أحسن معاض . وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش : فألوانهم أصفى ؛ وأبدانهم أنقى ؛ وأشكالهم أتم وأحسن ؛ وأخلاقهم أبعد من الانحراف ؛ وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات .
( مقد 1 ، 393 ، 10 )
عرب وأمة وحشية
- إنّ العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب : والسبب في ذلك أنّهم أمّة وحشيّة باستحكام عوائد التوحّش وأسبابه فيهم ، فصار لهم خلقا وجبلة ، وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم ، وعدم الانقياد للسياسة . وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له . فغاية الأحوال العادية كلّها عندهم الرحلة والتقلّب ؛ وذلك مناقض للسكن الذي به العمران ومناف له : فالحجر مثلا إنّما