لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب رتبة الملك بسذاجة الإسلام . وكذا عمر مع أبي بكر ، وعلي وعثمان مع عمر . وأمّا حال الجباية والإنفاق والحسبان فلم يكن عندهم برتبة ؛ لأنّ القوم كانوا عربا أميّين لا يحسنون الكتاب والحساب فكانوا يستعملون في الحساب أهل الكتاب أو أفرادا من موالي العجم ممن يجيده ؛ وكان قليلا فيهم ؛ وأمّا أشرافهم فلم يكونوا يجيدونه ، لأنّ الأميّة كانت صفتهم التي امتازوا بها . وكذا حال المخاطبات وتنفيذ الأمور لم تكن عندهم رتبة خاصة للأميّة التي كانت فيهم والأمانة العامّة في كتمان القول وتأديته ، ولم تحوج السياسة إلى اختياره ، لأن الخلافة إنّما هي دين ليست من السياسة الملكيّة في شيء . ( مقد 2 ، 667 ، 8 )
خلافة وإمامة
- إذ قد بيّنا حقيقة هذا المنصب ( الخلافة ) ، وأنّه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، سمّي خلافة وإمامة ، والقائم به خليفة وإماما . وسمّاه المتأخرون سلطانا حين فشا التعدّد فيه واضطرّوا بالتباعد وفقدان شروط المنصب إلى عقد البيعة لكل متغلّب . فأمّا تسميته فتشبيها بإمام الصلاة في اتباعه والاقتداء به ؛ ولهذا يقال الإمامة الكبرى . وأمّا تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمّته ، فيقال خليفة بإطلاق ، وخليفة رسول اللّه .
واختلف في تسميته خليفة اللّه . فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامّة التي للآدميين في قوله تعالى
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
( البقرة : 30 ) وقوله
جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
( الأنعام :
165 ) . ومنع الجمهور منه ؛ لأنّ معنى الآية ليس عليه ؛ وقد نهى أبو بكر عنه لما دعي به ، وقال : « لست خليفة اللّه ، ولكنّي خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » ؛ ولأنّ الاستخلاف إنّما هو في حق الغائب وأمّا الحاضر فلا . ( مقد 2 ، 578 ، 15 )
خلافة وملك
- تبيّن لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك .
وأنّ الأمر كان في أوّله خلافة ، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين ، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة . فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد اللّه بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه ، فأبى ومنع من سلّ السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للألفة التي بها حفظ الكلمة ، ولو أدّى إلى هلاكه . وهذا عليّ أشار عليه المغيرة لأول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته ، وتتّفق الكلمة ، وله بعد ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة الملك ، فأبى فرارا من الغش الذي ينافيه الإسلام . وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال لقد أشرت عليك بالأمس بما أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنّه ليس من الحق