تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السياسية . وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضا ، لأنه بغير نور اللّه
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
( النور : 40 ) لأنّ الشارع أعلم بمصالح الكافّة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم ؛ وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم ، من ملك أو غيره ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّما هي أعمالكم ترد عليكم » ( العجلوني ، كشف الخفاء ومزيل الالباس ، ح 653 ، 1 / 250 ) ؛ وأحكام السياسة إنّما تطلع على مصالح الدنيا فقط :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا
( الروم : 7 ) ؛ ومقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم . فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافّة على الأحكام الشرعيّة في أحوال دنياهم وآخرتهم . وكان هذا الحكم لأهل الشريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء . ( مقد 2 ، 578 ، 4 )

خلق التجارة

- إنّ خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤساء وبعيدة من المروءة : . . إنّ التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والأرباح ، ولا بدّ في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللّجاج ، وهي عوارض هذه الحرفة . وهذه الأوصاف نقص من الزكاء والمروءة وتجرح فيها ؛ لأنّ الأفعال لا بدّ من عود آثارها على النفس ، فأفعال الخير تعود بآثار الخير والزكاء ، وأفعال الشر والسفسفة تعود بضدّ ذلك ، فتتمكّن وترسّخ إن سبقت وتكرّرت ، وتنقص خلال الخير إن تأخّرت عنها ، بما يتطبّع من آثارها المذمومة في النفس ، شأن الملكات الناشئة عن الأفعال . وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجّار في أطوارهم فمن كان منهم سافل الطور محالفا لأشرار الباعة أهل الغشّ والخلابة والفجور في الأثمان إقرارا وإنكارا ، كانت رداءة تلك الخلق عنده أشدّ ، وغلبت عليه السفسفة ، وبعد عن المروءة واكتسابها بالجملة . وإلّا فلا بدّ له من تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته . وفقدان ذلك منهم في الجملة ، ووجود الصنف الثاني منهم الذي قدّمناه في الفصل قبله أنهم يدّرعون بالجاه ويعوّض لهم من مباشرة ذلك ، فهم نادر وأقل من النادر . وذلك أن يكون المال قد يوجد عنده دفعة بنوع غريب أو ورثه عن أحد من أهل بيته ، فحصلت له ثروة تعينه على الاتصال بأهل الدولة وتكسبه ظهورا وشهرة بين أهل عصره ، فيرتفع عن مباشرة ذلك بنفسه ، ويدفعه إلى من يقوم له به من وكلائه وحشمه ، ويسهّل له الحكام النّصفة في حقوقهم بما يؤنسونه من برّه وإتحافه فيبعدونه عن تلك الخلق بالبعد عن معاناة الأفعال المقتضية لها كما مرّ ، فتكون مروءتهم أرسخ وأبعد عن تلك المحاجاة ، إلا ما يسري من آثار تلك الأفعال من وراء الحجاب ، فإنّهم يضطرّون إلى مشارفة أحوال أولئك الوكلاء ووفاقهم أو خلافهم