تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الآلات بكثرة الأعمال حينئذ ، وكثر الصّناع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك كما سبق بشأنها . فإذا تراجع عمرانها وخفّ ساكنها قلّت الصنائع لأجل ذلك ، ففقدت الإجادة في البناء والإحكام والمعالاة عليه بالتنميق . ثم تقل الأعمال لعدم الساكن فيقل جلب الآلات من الحجر والرخام وغيرهما ، فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات التي في مبانيهم ، فينقلونها من مصنع إلى مصنع لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلّة العمران وقصوره عمّا كان أولا . ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة ، فيعودون إلى البداوة في البناء واتّخاذ الطوب عوضا عن الحجارة ، والقصور عن التنميق بالكلّية ، فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدائن ، ويظهر عليها سيما البداوة ، ثم تمر في التناقص إلى غايتها من الخراب إن قدّر لها به . ( مقد 2 ، 870 ، 14 )

خراب العمران

- إنّ الظلم مؤذن بخراب العمران : اعلم أنّ العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أنّ غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم . وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك . وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب . فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه الآمال جملة بدخوله من جميع أبوابها . وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته . والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنّما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين . فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران ، وانتقضت الأحوال وابذعرّ الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها . فخف ساكن القطر ، وخلت دياره ، وخربت أمصاره ، واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان ؛ لما أنّها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة . ( مقد 2 ، 741 ، 15 )

خراج وجباية

- إنّ نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية ، والسبب في ذلك أنّ الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم ، ومنه مادة العمران . فإذا احتجن السلطان الأموال أو الجبايات ، أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها ، قلّ حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية ، وانقطع أيضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم ، وقلّت نفقاتهم جملة ، وهم معظم السواد ، ونفقاتهم أكثر مادّة للأسواق ممن سواهم . فيقع الكساد حينئذ في الأسواق ، وتضعف الأرباح في المتاجر فيقلّ الخراج لذلك . لأنّ الخراج والجباية إنّما تكون من