ووجه وجوبها كونها لطفا ومصلحة للتائب في الامتناع من المقبّحات وأداء الواجبات ، كما في سائر الواجبات الشرعيّة ، ثمّ إذا علمنا سقوط العقاب عندها بالسمع ، على الصحيح من المذهب ، صارت دافعة لمضرّة العقاب ، وإن كان سقوط العقاب عندها تفضّلا ازداد فيها وجه وجوب آخر ، وهو كونها دافعة للمضرّة ، فيجب من ذلك الوجه أيضا .
فإن قيل : إذا كان التحقيق فيما يجب علينا كونه مصلحة ولطفا لنا ، أنّ وجه وجوبه علينا إنّما هو كونه جاريا مجرى دفع الضرر عنّا ، من حيث إنّ عنده تمنع ما نستحقّ به العقاب من الإخلال بالواجب واقتراف القبيح ، فكيف يصحّ قولكم إنّ كونها دافعة لمضرّة العقاب يصير وجها زائدا في وجوبها ؟ .
قلنا : التحقيق في وجه وجوب ما يجب علينا فعله لكونه لطفا لنا ، وإن كان ما ذكر في السؤال وذهبنا إلى أنّ التوبة تجب علينا لكونها لطفا لنا . فما ذكرناه - من أنّه إذا علم سقوط العقاب عندها صار ذلك صحيحا آخر في وجوبها زائدا على كونها لطفا - صحيح ، وهو في موضعه . وذلك لأنّ كونها دافعة للمضرّة باعتبار كونها لطفا إنمّا هو بواسطة أداء الواجبات واجتناب المقبّحات ، وكونها دافعة لمضرّة العقاب بالوجه الثاني ليس فيه واسطة .
ومن وجه آخر يظهر التغاير بين الوجهين : وهو أنّ في الوجه الأوّل انّما يدفع العقاب الذي كان يستحقّه في المستقبل لو أخلّ بالواجب أو ارتكب القبيح .
وفي الوجه الثاني انّما يدفع عقابا مستحقّا استحقّه بما سبق منه ومضى ، فافترق الوجهان .
وعند مخالفينا في الوعيد أنّ وجوب التوبة من المعصية التي ارتكبها المكلّف وعلم أو جوّز كونها كبيرة ، معلوم عقلا ، لكونها دافعة لضرر معلوم أو مظنون ، إذ دفع الضرر عن النفس واجب عقلا ، معلوما كان الضرر أو مظنونا .
المنقذ من التقليد — صفحة 86
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٨٦