العصاة ، وطريق معرفة وجوبها ، وأنّه السمع دون العقل ، ثمّ نذكر سقوط العقاب عندها ، وأنّه تفضّل منه تعالى لا وجوب فيه ولا تحتّم ، وأنّ طريق ذلك أيضا السمع .
أمّا حقيقة التوبة :
فهي الندم على القبيح لقبحه ، والعزم على أن لا يعود إلى مثله .
وعزم العاصي على أن لا يعود إلى مثله إنّما هو كراهته لفعل مثله . هذا هو التوبة عن القبيح .
وأمّا التوبة عن الإخلال بالواجب : فهي الندم على الإخلال بالواجب لكونه إخلالا بالواجب ، والعزم على أن لا يخلّ بالواجب في المستقبل . وهذا العزم إنّما هو عزم على أداء الواجبات في المستقبل . وانّما قلنا إنّ ما ذكرناه حقيقة التوبة ، لأنّ التوبة هي الإنابة والرجوع ، ولا يتصوّر رجوع الإنسان عمّا فعله أو أخلّ به إلّا بالندم عليه والعزم على ترك معاودته .
وإنّما اعتبرنا في التوبة عن القبيح أن يكون ندمه عليه لقبحه ، وفي التوبة عن الإخلال بالواجب أن يكون ندمه عليه لكونه إخلالا بالواجب ، من حيث إنّه لو ندم على القبيح لاستضراره به عاجلا - كمن يندم على شرب الخمر لتأذّيه بالخمار أو خوفا من السلطان - لم يكن تائبا . وكذا لو ندم على الإخلال بالواجب خوفا من مضرّة عاجلة لعقوبة سلطان أو فوات نفع عاجل لم يكن أيضا تائبا .
وقد اختلف الشيوخ في العزم الذي وصفناه : فقال بعضهم : هو أحد جزئي التوبة ، وهذا هو قول أبي هاشم وقال بعضهم : هو شرط فيها حتّى أنّه لو منع من العزم وندم لكان تائبا . وقال بعضهم : إنّ الندم وحده هو التوبة .
قال صاحب الفائق : وهذا القول عندنا هو الأولى ، فان عزم على أنّه يعاود مثلها كشف ذلك على أنّه غير نادم عليها ، وإن عزم على أن لا يعاود إلى مثلها أو غيرها من المعاصي كشف عن تأكّد ندمه عليها ، وإن لم يعزم على المعاودة ولا