ليس بالقادر ، والقادر إنما يستحقّ ما يستحقه من مدح أو ذم بما يكون به ومن جهته . فالممتنع من القبيح إنّما يستحقّ المدح بفعل يفعله عند امتناعه من القبيح ، وهو ترك له . وكذا المخلّ بالواجب إنّما يستحقّ الذمّ ، لأنّه عند إخلاله بالواجب يفعل فعلا هو ترك الواجب .
وذهب أبو هاشم وأصحابه إلى أنّهما يستحقّان بالامتناع والإخلال . وهذا هو الصحيح ، والذي يدلّ على صحّته أنّ من استلقى في دار غيره بإذنه ، إذا أمره الغير الذي هو صاحب الدار بالخروج منها بعد الإذن السابق فلم يخرج ، استحسن العقلاء كلّه ذمّه ويعلمون حسن ذمّه اضطرارا ، فلا يخلو إمّا أن يستحسنوا ذمّه على استلقائه الأوّل ، وذلك باطل ، لأنّه كان ذلك بإذن صاحبها ، أو على أنّه يفعل في نفسه سكونا ، وهذا أيضا ليس بصحيح ، لأنّ العقلاء لا يعلمون ذلك ، أو على أنّه لم يفعل الخروج ، وهذا هو الصحيح ، لأنّهم يعلّلون حسن ذمّه بذلك ، يقولون : أمره بالخروج فلم يخرج ، فصحّ أنّ الجهة التي يذمّونه عليها .
فإن قيل : كيف يصحّ أن يعلموا حسن ذلك اضطرارا ، وعندكم أنّ كون العبد فاعلا لا يعلم باضطرار فكيف يعلم كونه غير فاعل باضطرار ؟ .
قلنا : هذا لا يلزمنا ، لأنّا لا « 1 » نذهب إلى أنّ العلم بكلا الأمرين ضروريّ .
وأمّا القاضي فقد أجاب بأن قال : إذا علمنا نفي وجود الفعل منه باضطرار ، فقد علمنا كونه غير فاعل باضطرار . فيقال له : إنّ كونه فاعلا ليس هو وجود الفعل فقط ، ولا كونه غير فاعل نفي وجوده ، وإنّما كونه فاعلا هو وجوده بحسب كونه قادرا وبحسب دواعيه إن كان عالما بما يفعله وعندك أنّه إنّما يعلم كونه فاعلا استدلالا بذلك . فإذا لم يعلم كونه فاعلا عندك باضطرار ، فكذلك كونه
هامش
( 1 ) ليس في ( م ) .