من العوض والجزاء معيّن معلوم ، وكذلك على كلّ إساءة لكنّا نعلم أنّه إذا استوفى ما استحقّه في مقابلة نعمة بتمامه ، فانّه يحسن من المنعم عليه أن يطالبه الجزاء على الإساءة وإن صغرت ولا يقبح منه تلك المطالبة ، فعلمنا أنّ قبح الذمّ على الإساءة الصغيرة لمن له إحسان عظيم إنّما هو للوجه الذي ذكرناه .
يوضّح ما ذكرناه أنّ أحدنا لو كان له على غيره ألف قنطار من الذهب دينا في ذمّته ، ولذلك الغير عليه مكوك حنطة أو شعير ، فإنه لا يحسن من ذلك الغير ، متى لم يؤدّ إليه حقّه ، أن يطالبه بذلك المكوك ، ولو وفّى حقّه لحسن منه المطالبة بالمكوك ، ولا « 1 » يدلّ قبح مطالبته بذلك على سقوطه ، وإنّما فرض المكوك من الحنطة والشعير ولم يفرض أن يكون له عليه دينار ، لأنّا لو فرضنا ذلك لأمكن أن يقال : إنّما لم يحسن منه المطالبة بذلك الدينار ، لأنّه سقط بالمقاصّة ، فيبقى لصاحب الدين عليه ما كان له عليه إلّا دينار . وإذا فرضنا الحنطة أو الشعير أو شيئا آخر من غير الجنس الذي له عليه لم يمكن أن يقال فيه ذلك ، لأنّ المقاصّة بين الجنسين المختلفين يحتاج إلى مراضاة .
فإن قالوا : يحسن منه المطالبة بالمكوك من الشعير وإن لم يوفّر عليه حقّه ، لأنّه يكون مطالبا بحقّه ، ومن طالب بحقه لا يلام .
قلنا : إذا سهل عليكم ارتكاب ذلك مع قبحه ، سهل علينا ارتكاب حسن ذمّ المسئ بالإساءة اليسيرة وإن كان له النعم العظيمة والأيادي الكثيرة ، ونعتلّ بمثل ما ذكرتموه من المطالبة بالحقّ ، إذ ليس بعد أحدهما في معقول إلّا كبعد الآخر .
يوضّح ما ذكرناه ويبيّنه أنّا إذا فرضنا الكلام فيما لا يكون من الحقوق المختصّة ببعض المستحقّين ، ظهر قولنا وبانت صحّته ، لأنّا نعلم أنّ من كان على
هامش
( 1 ) م : ولم .