التعظيم إلّا وهو يوقعه عليه في الموضع الذي ذكرناه ، وإن عقّبه بالتبكيت على الإساءة والذمّ عليها ، ومن دفع حسن ذلك في هذا الموضع كان كمن دفع حسنه عند الانفراد .
فإن قالوا : إنّما يشكره في حال ويلومه « 1 » في أخرى ، وهذا لا يدلّ على اجتماع الاستحقاقين .
قلنا : الشكر والذمّ وإن وقعا في حالين كما ذكروا ، فقد دلّ حسن فعلهما على ثبوت استحقاقهما وأنه لم يزل ، لأنّه لو زال لقبح فعلهما في حالين ، كقبحه في حال واحدة .
وليس كلامنا الآن في صحّة فعلهما في حالة واحدة أم استحالته ، وإنّما كلامنا فيما ذكروه من زوال أحدهما بالآخر ، فنقول : لو زال أحدهما بالآخر لما حسن الفعل المزال منهما لا في حال ولا في حالين ، وخصومنا لا بدّ لهم في الموضع الذي فرضناه من مخالفة المعلوم ، لأنّ مذهبهم يقتضي فيمن ذكرناه أحد أمور :
إمّا أن يكون بمنزلة من لم يحسن ولم يسيء فيما يقتضيه الإحسان والإساءة ويرجع إليهما ، أو بمنزلة من أحسن إلى ذلك الغير فقط ، أو بمنزلة من أساء إليه فقط ، والمعلوم خلاف ذلك كلّه .
وممّا تعلّقوا به آيات من القرآن ، مثل قوله تعالى :
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »
« 2 » ، وقوله :
« لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ »
« 3 » ، وقوله :
« لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ »
« 4 » ، وقال في وصف قوم في موضع آخر :
« حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ »
« 5 » وقال تعالى :
« إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ »
« 6 »
هامش
( 1 ) م : ويذمّه .
( 2 ) البقرة : 264 .
( 3 ) الحجرات : 2 .
( 4 ) الزمر : 65 .
( 5 ) البقرة : 217 ، آل عمران : 22 ، المائدة : 53 .
( 6 ) هود : 114 .