أحوال كثيرة تقتضي مدحه ، ككمال العقل وجودة الرأي ووفور الحلم وشرف النسب ، فانّ مدحه على هذه الأمور وإن كثرت لا يمنع من ذمّه على خلق واحد مذموم يكون فيه كالعجلة وسرعة الغضب ، بل يحسن من كلّ أحد ذكر ما فيه من الفضائل وخصال المدح على سبيل التعظيم وإن اتبع ذلك بذكر ما فيه من الخصلة الذميمة ، حتى يقول : لقد فضل اللّه فلانا بكذا وكذا من أخلاقه وأحواله ، ولولا الخصلة الفلانيّة التي قد عابته وشانته لكان كاملا .
وكذا القول فيمن حسن خلق كثير من أعضائه وكان من جملتها عضو واحد غير مستحسن ، فانّ أحدنا « 1 » لا يمتنع من ذمّه بما فيه وإن كان أقل مع مدحه بالأكثر ، ولا يجري هذا عند أحد مجرى الذمّ بالإساءة والمدح على الإحسان في الموضع الذي فرضوه ولا فرق بينهما إلّا من الوجه الذي ذكرناه .
فإن قالوا : مدحه بالأخلاق والعقل إنّما لا ينافي ذمّه ببعض ما فيه من الأخلاق ، لأنّ ذينك مدحا وذمّا لا يقترن بهما التعظيم والاستخفاف ، كما ثبت وتقرّر في الشكر على الإحسان والذمّ على الإساءة ، وكذا القول في المدح ببعض الأعضاء والذمّ بالبعض .
قلنا : إن أمكنكم ادّعاء تعرّي المدح والذم بالأعضاء وكونها مستحسنة وغير مستحسنة من التعظيم والاستخفاف ، فانّه لا يمكنكم ادّعاء مثله في المدح بالأخلاق من العقل والحزم والرأي والذمّ بما يخالف ذلك لأنّ عند شيوخكم أنّ هذا الضرب من المدح والذمّ إنّما يستحقّ على طريق التعظيم والاستخفاف ، حتّى أنّهم قالوا : إنّ التعظيم إنّما استحقّ بذلك من حيث أثّر فيما يرجع إلى اختياره من الأفعال وكذا الاستخفاف إنّما استحقّ بما يقابله من الخصال من حيث أثّر فيما يرجع إلى اختياره من الأفعال « 2 » القبيحة وإذا صحّ هذا ولم يبطل
هامش
( 1 ) م : أحدا .
( 2 ) قوله : « وكذا الاستخفاف . . . إلى قوله : من الأفعال » سقط في ( ج ) .