تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
يسير المدح في هذا الضرب بكثير الذمّ ولا يسير الذمّ بكثير المدح بطل قولهم . ثمّ يقال لهم : إذا جاز لكم أن تعتمدوا في استدلالكم على موضع لا فرق بينه وبين غيره عندكم ، لأنّ عندكم أنّ التحابط كما يقع بين كثير المدح وقليل الذمّ وبين كثير الذمّ وقليل المدح والشكر ، كذلك يقع بين المتساويين من الشكر والذمّ والمدح والذمّ . وإذا كان كذلك وجاز لكم أن تعتمدوا على الصورة التي صوّرتموها مع أن لا فرق بينهما وبين غيرها وتجعلونها الأصل لظهور الأمر فيها وتحملون غيرها عليها ، جاز لنا مثل ذلك بأن نقول : قد علمنا أنّ أحدنا لو أنعم عليه غيره نعمة وأساء إليه إساءة لا يظهر زيادة إحداهما على الأخرى ، كأن خلّص له ضيعته من غاصب وأهلك غلاما له ، يحسن منه شكره ومدحه على نعمته وذمّه على إساءته . ألا ترى أنّه يحسن من هذا الذي فرضناه أن يعاتبه بحضرة الناس على إهلاك غلامه على سبيل التبكيت له والتهجين ويعترف له بتخليص ضيعته من الغصب ويشكره ويمدحه عليه حتى يقول له : قد أحسنت إليّ في تخليص الضيعة وأنا شاكر لذلك منك ومعتدّ به ، فأحسن اللّه جزاءك عنّي ، غير أنّك قد أسأت إلي في استهلاك الغلام ، واللّه يكافئك على ذلك ، ولو لم تستهلكه لكان إحسانك خالصا وشكري لك صافيا . وهذا أمر يعلم حسنه ضرورة . وكذا كثرة استعمال الناس لمثله وتناولهم لفعله معلوم ضرورة فمن دفع حسنه كان كمن دفع حسن شكره على النعمة المفردة وذمّه على الإساءة المفردة . وليس لهم أن يقولوا : القدر الذي ذكرتموه لا يدلّ على ثبوت استحقاق المدح والذمّ ، وذلك لأنّا ما اعتمدنا على حسن ذكر النعمة والإساءة وإخباره عنهما فقط ، بل على أنّه يعترف بهما على سبيل الشكر والذمّ ، إذ لا شيء ولا وجه يوقع عليه الشكر على النعمة والاعتراف بها إذا انفردت من القصد إلى
المنقذ من التقليد — صفحة 68 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي