تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
ومنها أن قالوا : قد علمنا ضرورة أنّ من أحسن إلى غيره بكثير الإحسان وعظيمه كأن يكون نجّاه من القتل واستخلص أولادا يعزّون عليه من الهلكة وأغناه من الفقر وامنه بعد الخوف وأعزّه بعد الذلّ ثمّ كسر له قلما يكتب به ، فانّه لا يحسن منه « 1 » أن يذمّه على كسر ذلك القلم « 2 » وإن كان لولا تقدّم تلك الضروب من الإحسان إليه لحسن منه ذمّه على ذلك وكذلك لو أساء إليه إساءات عظيمة ، كقتل أولاده وسلب أمواله والتناهي في مكروهه ثم أصلح له قلما ، فانّه لا يحسن منه أن يشكره على ذلك وإن كان لولا تقدّم تلك الاساءات لكان يحسن منه ، بل يجب عليه شكره على ذلك الإصلاح قالوا : ومعلوم أنّ قبح الذمّ والشكر في الموضعين إنّما هو لخروجهما عن الاستحقاق ، بدلالة أنّ كلّ واحد من الإحسان والإساءة المشار إليهما من كسر القلم وإصلاحه لو انفرد لحسن الشكر على الإحسان منهما « 3 » ، والذمّ على الإساءة لما كانا مستحقّين ، فلو بقي استحقاقهما مع ما ذكرناه من الإحسان العظيم في أحد الموضعين والإساءة العظيمة في الآخر لحسن استعمالها كما حسن عند الانفراد ، لأنّ الذمّ إنّما يقبح عند عظم المستحقّ من المدح والتعظيم وكذا الشكر والمدح إنّما يقبحان عند عظم الإساءة وإذا كان كذلك وقد علمنا أنّ عظم المستحقّ لا يؤثّر إلّا في خروج ما يقابله من الاستحقاق دلّنا ذلك على أنّهما إنّما قبحا من حيث سقط استحقاقهما في الموضعين اللذين أشرنا إليهما . وإذا ثبت سقوط استحقاقهما ، فليس ذلك إلّا لاستحالة اجتماع كلّ واحد منهما مع ما يقابله ، لأنّه لو جاز اجتماعهما في الاستحقاق لما أثّر أحدهما في الآخر ، بدلالة سائر ما يصحّ اجتماعه مع كلّ واحد منهما كالدين والعوض .
هامش
( 1 ) « منه » ليس في ( م ) . ( 2 ) « القلم » ليس في ( م ) . ( 3 ) ج : منها .
المنقذ من التقليد — صفحة 63 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي