البدل لم يدخل في تعلّق اقتداره بهما ، بل تعلّق اقتداره بهما جميعا في حالة واحدة ، ولكن إنّما يمكنه فعل كلّ واحد منهما على البدل .
وهكذا نقول لهم : إنّ المستحقّ للثواب والعقاب يكون مستحقّا لهما جميعا ، لا على سبيل البدل ، لكنّه يستحقّ أن يفعل به كلّ واحد منهما بدلا من الآخر . فالبدل منهما إنّما دخل في حال الفعل ، لا في حال الاستحقاق ، كما دخل البدل في باب الضدّين في فعلهما ، لا في تعلّق الاقتدار بهما .
وإذا كان هذا جائزا ، فما المانع من أن يستحقّ المكلّف الثواب والعقاب معا ويجتمعا له في الاستحقاق ، ويكون القديم تعالى في حكم المخيّر في تقديم أيّهما شاء وتأخيره . فإن قدّم العقاب عوّضه عمّا فاته من الثواب في الأحوال التي عاقبه فيها وجوبا حتّى يصير كأنّه قد أثيب فيها . وإن قدّم الثواب كان له تعالى أن يفعل به في أوقات عقابه ما فاته منه في الأحوال التي كان فيها مثابا إذا لم يرد العفو عنه .
فإن قالوا : يلزم على ما ذكرتموه أن يكون المكلّف قد استحق ما لا يصحّ أن يفعل به ، لأنّه إذا فعل به العقاب مثلا ، فهو في تلك الحال مستحقّ للثواب ولا يصحّ أن يفعل به الثواب في الحال .
قلنا : إنّ ما يكون في الحال إنّما يصحّ أن يقال فيه انّه كان مستحقّا من قبل ، ولا يصحّ أن يقال فيه إنّه مستحقّ من حيث أنّه إنّما يستحقّ ما يقع في المستقبل ، وبيانه أنّ الاستحقاق معناه أن يجب أو يحسن فعل الشيء الذي يقال إنّه مستحقّ بسبب فعل أو ترك متقدّم ، وفي مقابلته . وإذا كان كذلك فالمفعول الحاصل في الحال لا يمكن فعله حتّى يقال يجب أو يحسن فعله ، فعلى هذا المكلف إذا فعل به العقاب فهو في تلك الحال غير مستحقّ لثواب يفعل به في تلك الحال ولا العقاب أيضا ، بل كان يستحقّهما من قبل ، وإنّما يستحقّ في هذه الحالة أن يفعل به الثواب والعقاب في الثاني على الوجه الذي يصحّ أن
المنقذ من التقليد — صفحة 60
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٦٠