والجواب عن ذلك : أنّا لا نسلّم أنّ الوجه في دوام المدح والذّم ما ذكروه ، إذ هو غير صحيح . ألا ترى أنّ المطيع بفعل ما ندب إليه من الإحسان وغيره وإن لم يبطل ما فعله يندم عليه ولا بمعصيته يزيد عقابها على ثواب فعله ذلك .
فانّه إذا عزم أن لا يفعل مثله بعد ذلك لاستقراره به عاجلا يخرج بهذا العزم من أن يكون في الحكم كأنّه فاعل له أبدا . ومع ذلك فانّه يستحقّ المدح على ما فعله دائما .
ولا يمكن أن يقال : إنّ عزمه على ذلك يكون معصية كبيرة فيحبط بها عمله ، لأنّ العزم على أن لا يفعل ما ندب إليه في المستقبل ، لا لحسنه ، بل لأنّه يستضرّ به عاجلا ، لا يكون قبيحا . وكذلك فاعل القبيح وإن لم يندم عليه ولم يكفّره بما ثوابه يزيد على عقابه . فانّه إذا عزم على أن لا يعود إلى مثله لاستفراره به عاجلا ، كشارب الخمر إذا ترك شربها لتأذّيه بالخمار ، لا لقبح شربها ، يخرج بذلك العزم من أن يكون في الحكم كأنه فاعله أبدا . ومع ذلك يستحقّ الذمّ على ما فعله دائما .
ولا يمكن أن يقال : إنّ عزمه ذلك يكون طاعة يزيد ثوابها على عقاب ذلك القبيح ، لأنّ العزم على ترك القبيح لا لقبحه ، بل لما يكون فيه من المضرّة العاجلة لا يكون طاعة ، فبطل تعليلهم هذا .
وقولهم : إنّ المطيع إنّما استحقّ المدح دائما ، لأنّه إذا لم يحبط طاعته فإنّه في الحكم كأنّه فاعلها أبدا ، وأنّ العاصي انّما استحقّ الذمّ دائما من حيث إنّه إذا لم يبطل معصيته بتوبة أو طاعة يزيد ثوابها على عقاب معصيته فكأنّه فاعل لتلك المعصية دائما . وإذا بطل ذلك بطل ما بنوا عليه من دوام استحقاق الثواب والعقاب .
ثمّ يقال لهم : هذا الذي ذكرتموه مقدّر ، والتحقيق فيه بخلاف ما قلتموه وذلك لأنّه في التحقيق ما فعل المطيع الطاعة إلّا في أوقات يسيرة . وكذا
المنقذ من التقليد — صفحة 32
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٢