إقداما واحجاما لما استحقّ عليها ثوابا ، وإن استحقّ المدح ولو لم يؤثّر فعل القبيح والاخلال بالواجب الذمّ دون العقاب . فكلّ هذا يكشف عن أنّ جهة الاستحقاق مختلفة .
فإن قالوا : المشقّة شرط في استحقاق الثواب ، وليس بوجه فيه ، وإنّما وجه استحقاق الثواب هو بعينه وجه استحقاق المدح . وكذلك إيثار المكلّف فعل القبيح والإخلال بالواجب على ما فيه حظّه ونفعه شرط في استحقاق العقاب وليس بوجه فيه وإنّما الوجه في استحقاق العقاب هو الوجه في استحقاق الذمّ بعينه من فعل القبيح أو الإخلال بالواجب .
قلنا : أوّل ما نقوله على كلامكم هذا أنّ ما ذكرتموه ليس بأولى من عكسه . وهو أن يجعل ما جعلتموه شرطا وجها ، وما جعلتموه وجها شرطا ، إذ لا بدّ من مجموع الأمرين .
ثمّ نقول : إذا جاز أن يختلف الشرط في استحقاق المدح والثواب والذمّ والعقاب ، فهلّا جاز أن يختلفا في الدوام والانقطاع ، ويجري اختلافهما في الشرط مجرى اختلافهما في الوجه .
ثمّ يقال لهم : ولم يجب ، إذا تساويا في الوجه والشرط على تسليم ذلك جدلا ، أن يتساويا في الدوام ؟ أليس مع تساويهما في ذلك اختلفا في الجنس ؟
إذ ليس المدح من جنس الثواب ، ولا الذمّ من جنس العقاب ؟ ولا كلّ من استحقّ عليه أحدهما استحقّ الآخر عليه ؟ فإذا جاز اختلافهما فيما ذكرناه فهلّا جاز اختلافهما في الدوام والانقطاع .
وأمّا قولهم : إنّ ما أزال أحدهما أزال الآخر ، فأوّل ما فيه أنّا لا نقول : إنّه يزيلهما شيء بعد الاستقرار . ثمّ ولو سلّمنا ذلك أيضا تسليم الجدل ، أليس مع اتّفاقهما في ذلك قد اختلفا في الوجوه التي ذكرناها ؟ فهلّا جاز أن يختلفا في الدوام والانقطاع .
المنقذ من التقليد — صفحة 30
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٠