العاصي ما فعل المعصية إلّا في أوقات يسيرة ، فكيف يعلّل دوام ما استحقّاه من المدح والذمّ بأن فعلاه إذا لم يبطلاه كأنّه في الحكم دائم وفي التحقيق هما منقطعان ؟ .
ثمّ يقال لهم : يلزمكم على هذا التعليل أن تقولوا بدوام العوض ، وذلك لأنّ لمن ينازعكم في انقطاعه أن يقول : إنّ المستحقّ للعوض إنّما استحقّ ذلك على مولمه ، لأنّه آلمه إمّا استصلاحا أو ظلما ، وذلك في حكم الدائم .
وبيانه أنّه تعالى لو علم أنّ الصلاح في إدامة ذلك الألم لأدامه ، فهو في حكم الدائم . والظالم إذا لم يندم على ما أوصل إلى المظلوم من الألم ولم يبطله بإحسان إليه زائد على ظلمه له يكون في حكم المولم الظالم له أبدا على مقتضى قولكم في هذه الطريقة فيجب أن يستحقّ العوض دائما . فما توردونه في الجواب عن هذا ، فهو جوابنا لكم عن هذا الوجه .
وممّا تمسّكوا به أيضا أن قالوا : المستحقّ من الثواب لا يخلو من أحد وجهين : إمّا أن يكون المعتبر فيه مبلغا بعينه من غير تقدير بالأوقات ، أو كونه مقدّرا بالأوقات من غير مراعاة لمبلغ بعينه كاستحقاق المدح على المحسنات من الواجبات والمندوبات والذمّ على القبيح والشكر على النعم . فلو استحقّ الثواب على الوجه الأوّل ، لصحّ أن يوصل إلى المستحقّ في حالة واحدة ، لأنّ المعتبر فيه بمقدار بعينه ، لا بالأوقات التي يفعل فيها . ولو جمع للمثاب ما يستحقّه من الثواب في حالة واحدة ثمّ قطع عنه لم يحسن التكليف والتعريض لذلك الثواب ، لأنّه لا يكون مقابلا لما عرّض « 1 » له من مشقّة التكليف ، فثبت أنّه يستحقّ على الوجه الثاني المقدّر بالأوقات ، وليس بعض الأوقات في ذلك أولى من بعض ، فوجب أن يستغرق جميعها .
هامش
( 1 ) م : عوض .