قلنا : الفرق بيننا وبين من ذكرتموه غير خاف لأمور :
منها : أنّ الدليل قد دلّ على أنّ من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته ، وكونه أكثر ثوابا من كلّ واحد من الرعيّة عند اللّه ، وكونه أعلمهم بجميع أحكام الدين على ما بيّناه فيما مضى ، وقد أجمعت الامّة على أنّ المذكورين لم يكونا بهذه المنزلة ، فلا يجوز وقوع النصّ عليهما .
ومنها : أنّ الفريقين قوم شذّاذ ، لا يعرفون ، وإنّما حكيت مذاهبهم في المقالات على طريق التعجّب ، كما حكي أقوال السوفسطائيّة والسمنيّة وأصحاب العناد ، ولم ير في زماننا هذا ولا قبله واحد من أهل العلم يدّعي النص بالإمامة على أحد هذين المذكورين ، ومن اعتقد إمامة أبي بكر فانّما يدّعيه ويعتقده من جهة الاختيار دون النصّ ، فلا وجه لمعارضة أقوال أصحابنا على كثرتهم بقول قوم شذّاذ قد انقرضوا ولم يبق لهم وجود .
ومنها : أقوال ظهرت من كلّ واحد منهما ومن غير هما ، تدلّ على بطلان القول بكونهما منصوصا عليهما بالإمامة فمن جملتها قول أبي بكر محتجّا على الأنصار على ما رووه : الأئمة من قريش « 1 » ، فلو كان منصوصا عليه ، لكان ذكره ذلك أولى .
فإن قيل : الاحتجاج بما قاله أولى من أن يحتجّ بأنه منصوص عليه بالإمامة ، لأن في ذلك حسم المادة في كون الإمامة فيمن لا يكون قرشيا وقطع طمع الأنصار عنها بالكليّة وفي جميع الأعصار ، وليس في ادّعائه النصّ على نفسه بالإمامة هذه الفائدة .
قلنا : الأمر وإن كان على ما ذكر ، ففيه أطماع غيره من قريش في الإمامة ،
هامش
( 1 ) مسند أحمد بن حنبل : ج 3 ص 129 ، وتاريخ الطبري : ج 3 ص 203 ، والكامل لا بن الأثير : ج 2 ص 325 .