فمهما كان من جملة ما يدعو الداعي لأقوام إلى اعتقاد نفيه ، فانّ اللّه تعالى لا يخلق العلم الضروريّ به ، والنصّ بالإمامة ممّا قد دعا أقواما إلى اعتقاد نفيه ، وكذلك المعجزات التي هي مثل حنين الجذع وكلام الذراع المشويّ المسموم ، وتسبيح الحصى ، فلذلك لم يحصل العلم الضروري بشيء من ذلك ، وإن حصل بمخبر الأخبار عن البلدان والوقائع ، لأنّ ذلك ممّا لا يدعو لأحد الداعي إلى اعتقاد نفيه ، هذا على تسليم القول بأنّ العلم بمخبر أخبار البلدان والوقائع ضروريّ .
فإن قيل : هلا علم النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة ؟ كما علم النص على الصلوات الخمس وفرض الصوم والحجّ والزكاة وما جرى مجرى ذلك من الأمور المعلومة ، وإن لم تكن معلومة باضطرار عندكم ؟ ولم افترق الأمران ؟ .
قلنا : العلم بما ذكر في السؤال لم يحصل على الحدّ الذي حصل بسببه أنّها كانت منصوصا عليها فقط حتى يلزم في كلّ منصوص عليه أن يعلم كذلك ، بل لأنّ النصّ عليها وقع بمحضر الجمع الكثير والجم الغفير والسواد الأعظم ، وانضاف إلى ذلك العمل بها ، ولم يدع لأحد داع إلى كتمانها ولا صرف صارف عن نقلها ، بل قويت الدواعي إلى نقلها ونشرها ، إذ بها قوام الإسلام ، وكلّ ذلك مفقود في أخبار النصّ ، لأنّه وإن وقع في الأصل بحضرة جمع ينقطع بنقلهم العذر وتثبت به الحجّة ، فانّه لم يقع بحضرة الجم الغفير والسواد الأعظم ، ثمّ عرض بعد ذلك عوارض وموانع منعت من نقله وصرفت عن نشره ، فغمض طريق العلم به ، واحتيج فيه إلى ضرب من الاستدلال ، ونظائر ذلك كثيرة ، إذ من المعلوم أنّ كثيرا من الأمور وقع النص عليها ولم يحصل العلم العلم بها ، على حدّ حصول العلم بما أورد في السؤال ، ألا ترى أنّ العلم بكيفية الصلوات والطهارات والمناسك لم يحصل على حدّ حصول العلم بأصول هذه العبادات ، ولهذا لم يقع الخلاف في أصول هذه العبادات ، ووقع في كيفيّاتها ، وكذلك
المنقذ من التقليد — صفحة 316
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣١٦