مناظرة من زعم أنّ القول بالتحكيم تقدّم زمان الخوارج ، وأنّ القول بالمنزلة بين المنزلتين وتسمية الذاهبين إليه بالمعتزلة سبق زمان واصل بن عطاء وعمر وبن عبيد ، وأنّ مقالة جهم في الجبر الصريح وحدوث العلم للباري تعالى قد كانت قبله إلى غيرها من نظائرها ، وفي الفرق بين الموضعين دليل على بطلان ما قاله المفتري .
فإن قيل : لو كان النصّ الصريح بالإمامة على أمير المؤمنين عليه السلام واقعا على ما تدّعونه لعلم ضرورة ، كما علم ضرورة أنّ في الدنيا بصرة وبغداد وغيرهما من البلاد .
قلنا : ولو لم يكن القول بالنصّ صحيحا ، لعلم نفيه ضرورة ، كما علم أنّه ليس بين بغداد والبصرة بلد أكبر منهما ، وكما علم أنّه عليه السلام لم ينصّ على مقداد ولا على أنس ولا على أبي هريرة ، وفي الفرق بين الموضعين دليل على بطلان ما قالوه .
وبعد فغير مسلّم أنّ كلّ ما ينقل متواترة يعلم ضرورة ، بل الصحيح أنّ بعضه يعلم اكتسابا كمعجزات الرسول عليه السلام التي هي سوى القرآن ، وبعضه يتوقّف في صفة العلم به ، فيجوز أن يكون ضروريا ويجوز أن يكون اكتسابيا كمخبر أخبار البلدان والوقائع ، إذا كان كذلك فلا يجب في النصّ أن يعلم ضرورة ، وفقد العلم الضروريّ به لا يدلّ على بطلانه ، وليس لأحد أن يقول : كيف تفرّقون بين بعض الأخبار وبين البعض ؟ وكيف يصح هذا الفرق ؟ وذلك أنّ من يذهب إلى أنّ العلم بمخبر الأخبار المتواترة ضروريّ يراعي شروطا ، نحو كون رواته أكثر من أربعة ، وأن يخبروا عمّا يعملونه ضرورة ، وأن يكون كلّ فرقة تساويهم في العدد ، فانّه يحصل العلم بخبرهم أيضا ، وأن تكون الشبهة زائلة عنهم فيما ينقلونه ويروونه ، ولا يمتنع أن يكون فيه شرط آخر وهو أن لا يكون المخبر عنه ممّا لا يدعو الداعي إلى سبق اعتقاد نفيه ،
المنقذ من التقليد — صفحة 315
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣١٥