يقتضي وجوبها ، لأنّ الثواب الذي يقابلها لا يكفي في حسن الإيجاب على ما بيّناه ، فيجب أن يكون في الإخلال بها ضرر ليحسن إيجابها .
فنقول لهم : هذا الذي ذكرتموه تقدير لأمر لم يثبت ، بل التحقيق الثابت خلافه ، وذلك لأنّ الذي أوجبه اللّه تعالى وألزمناه إنّما هو فعل واحد في كلّ واجب ، والمشقة المشار إليها ليست أمرا منفصلا ، عنه ، بل هي كيفيّة فيه ووصف له ، إذ المرجع بها إلى كون الواجب صعبا لنا شاقّا علينا .
وفي التحقيق إذا كان الفعل الذي أوجبه اللّه تعالى علينا واحدا وكان معنى إيجابه علينا أنّه أعلمنا وجوبه وأراد منّا فعله وكره تركه والإخلال به منّا ، فإنّما حسن ذلك لما ذكرناه من ثبوت وجه الوجوب فيه .
وأمّا الوصف الذي حصّله له بجعله متعبا لنا شاقّا علينا ، فانّه يحسن لما في مقابلته من الثواب الذي ضمنه لنا فيه وعرّضنا له بفعل الواجب ، وإنّما كان لما ذكروه وجه أن لو كانت المشقّة مستقلّة منفصلة عن الواجب .
فحينئذ كان يمكن أن يقال : وجه الوجوب الذي يثبت في الواجب هو الذي له حسن إيجابه ، فما الذي حسّن إيجاب تحمّل المشقّة المنفصلة عن الواجب ؟ ويقال بعد ذلك : مجرّد النفع بالثواب لا يكفي في حسن إيجاب الفعل فأمّا - والأمر بخلاف ذلك ، لأنّ المشقّة ليست منفصلة عن الواجب ، بل هي وصف له وكيفيّة فيه - فما ذكروه غير لازم .
فإن قيل : أليس الواحد منّا لو أوجب على غيره بالتخويف من القتل دفع ما له إليه لوجب عليه الدفع ، وإن لم يكن له وجه وجوب من دون إيجابه بالتخويف من القتل ؟ فلم زعمتم أنّ الإيجاب يكون لما فيه وجه الوجوب ؟ .
قلنا : كلامنا في القديم تعالى وحسن إيجابه لما يوجبه علينا بأن يعلمنا وجوبه ويريد منّا فعله ويكره منّا تركه ، وأنّ ذلك لا يحسن إذا لم يثبت فيه وجه وجوب . وهذا بخلاف ما قدّره في أحدنا ، لانّ أحدنا إذا خوّف غيره بالقتل إن
المنقذ من التقليد — صفحة 20
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٠