فأوّليته معناها أنّه كان ولا شيء معه موجود ، فكذلك يجب أن يكون معنى آخريته أن يكون ولا شيء معه موجود ، غير أنّا علمنا بدليل الإجماع أنّ الجنّة والنار دائمان لا يفنيان ، فعلى هذا يجب أن يكون تعالى آخرا ومنفردا بالوجود قبل دخول الخلق الجنّة والنار .
وكذا قوله تعالى :
« كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ »
« 1 » قالوا : حقيقة الفناء العدم ، وإذا كان فناء بعض الجواهر يقتضي فناء الجميع على ما سنبيّنه علمنا أنّ جميع العالم يفنى ، وإن كان لفظ « من » في قوله عزّ وجلّ :
« كُلُّ مَنْ عَلَيْها »
واقعا على العقلاء ، وكذا قوله :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
« 2 » ، وكذا قوله :
« وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »
« 3 » .
ولقائل أن يقول : أمّا الإجماع ، فلا شك في أنّه منعقد على فناء العالم وهلاكه ، ولكن فناء وهلاكا هما « 4 » بمعنى تفرّقه وتشذّبه وبطلان نظامه وخروجه وخروج أجزائه بالتفرّق والتلاشي من الوجه المنتفع به ، كما ورد شرحه في التنزيل من طيّ السماء وانفطارها ، وتكوير الشمس ، وانكدار النجوم وانتشارها ، وتسجير البحار ، وتسيير الجبال وجعلها كالعهن المنفوش .
فإن أرادوا انعقاد الإجماع على هذا المعنى فهو مسلّم ، ولكن لا حجة لهم فيه .
وإن أرادوا عدم الذوات والأعيان فغير مسلّم انعقاد الإجماع عليه وكيف يصحّ ادعاء الإجماع فيه « 5 » مع ظهور الخلاف فيه من خلق كثير .
وأمّا قوله عزّ وجلّ :
« هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ »
فلا دلالة فيه على ما راموه ، لأنّ الأوّل انّما يكون أوّلا بالإضافة إلى شيء ، وكذا الآخر يكون آخرا بالإضافة إلى
هامش
( 1 ) الرحمن : 26 .
( 2 ) القصص : 88 .
( 3 ) يونس : 4 .
( 4 ) « هما » ليس في ( ج ) .
( 5 ) جمله « وكيف . . . إلى : فيه » ليس في ( ج ) .