العقل يقضي بجواز عدم كلّ محدث ، فيكون قاضيا بجواز عدم الجواهر بعد تحقّق حدوثها وعدمها لا يتصوّر إلّا بالضدّ بالبيان الذي سبق ، قالوا : وإنّما قلنا بجواز عدم كلّ محدث ، لأنّه لو لم يجز عدمه لكان واجب الوجود دائما ، وذلك يؤدّى إلى مماثلته تعالى .
والجواب : إنّه لا يؤدي ، لأنّه تعالى إنّما يخالف الموجودات الاخر بوجوب وجوده لا عن علّة ولا بالفاعل ، بل لما هو عليه في ذاته أو لذاته ، على الخلاف فيه ، والجواهر ليست كذلك ، لأنّه وإن وجب استمرار وجودها بعد الوجود قد كان يجوز أن لا يوجد في الأول بأن لا يختار الفاعل إيجادها فلا توجد في الأوقات المستقبلة ، فلا تكون مماثلة له تعالى .
تمسّكوا أيضا بأن قالوا : القديم تعالى قادر على الجواهر ، والقادر على الشيء يجب أن يكون قادرا على ضدّه ليكون متحيّزا في فعله ، فثبت أنّ للجواهر ضدّا يقدر عليه تبارك وتعالى .
والجواب أن نقول : إنّما يجب في القادر على الشيء أن يكون قادرا على ضدّه إذا كان له ضدّ ، فأمّا إذا لم يكن له ضدّ فكيف يجب أن يقدر عليه ؟ ألا ترى أنّ في الأجناس ما لا ضدّ له كالاعتماد والتأليف والألم ، أمّا ما قالوه في تحيّز الفاعل فانّه يكفى فيه أن يقدر على أن يفعل وأن لا يفعل ، لأنّ بذلك ينفصل من الموجب ومن المضطرّ .
وأمّا أبو هاشم وأصحابه فانّهم يتمسّكون بأن يقولوا : قد علمنا بالإجماع وبالقرآن ، أنّ اللّه تعالى يفتي العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ، ومعلوم أنّ الجواهر باقية ، وأنّ الباقي لا ينتفي إلّا بضدّ أو ما يجرى مجراه ، وأنّه ليس للجواهر ما يجري مجرى الضدّ .
قالوا : أمّا الإجماع فظاهر . وأمّا القرآن فقوله تعالى :
« هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ »
« 1 »
هامش
( 1 ) الحديد : 3 .