تعلّق سببه الأخير بالعبد ، فلا بدّ من أن تعلّق « 1 » وتعلّل قدرة العبد ووجوده باللّه جلّ جلاله ، ولئن علّق مبطل وجود العبد وقدرته بغيره تعالى من الأفلاك والنفوس والعقول التي يثبتها الضّلال ، فانّه لا بدّ من أن يعلل الأخير من تلك الأسباب به تعالى ، وبالإنهاء إليه ينقطع التعليل فتحقّق أنّه آخر في الاستدلال والتعليل .
يوضح ما ذكرناه ويقوّيه أنّه إذا كان التأويل ما ذكرناه يستحقّ أن يوصف بأنّه آخر وأوّل في جميع الحالات ، ولو كان التأويل ما يقوله أصحاب أبي هاشم لما استحقّ تعالى أن يوصف بأنّه آخر الآن قبل عدم العالم إلّا توسّعا وتجوّزا ، وهذا بخلاف ما هو معلوم من دين المسلمين ، لأنّ جميعهم يعتقدون أنّ تسميته تعالى ووصفه بأنّه الأوّل والآخر في جميع الحالات حقيقة وليس مجازا .
[ معنى قوله تعالى كلّ من عليها فان ]
وأمّا قوله تعالى :
« كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ »
فلا يدلّ أيضا على ما قالوه ، لأنّه غير مسلّم أن المراد بالفناء العدم ، وما الإنكار من أن يكون المراد به الموت ! فانّ الفناء يعبّر به عن الموت في اللغة وهو ظاهر عند أهل اللغة ، قال الشاعر :
فقوما إذا ما استل روحي فهيئا * لي السدر والأكفان عند فنائيا
وقد يستعمل الفناء بمعنى التفرّق وخروج الشيء عن الوجه المنتقع به ، يقال :
فنى زاد القوم ، ويقال للأمم « 2 » الماضية والقرون السالفة : أفناهم الدهر ، ثمّ وفي الآية دلالة على أنّ المراد بالفناء الموت ، لأنّه تعالى جعل « فان » خبرا عن « من » في الآية وذلك لا يطلق في غير العقلاء من الجمادات وغيرها ، وقولهم :
إنّ فناء بعض الأجسام فناء لسائرها لو صحّ لكان انّما يدلّ على ما قالوه لو ثبت أنّ المراد بالفناء في الآية العدم ، وذلك غير ثابت ، فوجب حملها على ظاهرها .
وهكذا القول في قوله تعالى :
« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ »
لأنّ المراد
هامش
( 1 ) م : فلا بدّ له من تعلّق .
( 2 ) م : في الأمم .