عنده إنّما تبقى لأنّ فاعلها يحدثها وقتا بعد وقت ، فإذا لم يحدثها عدمت .
وعن أبي الهذيل أنّه يفنيها بقوله : افني ، كما يوجد الشيء بأن يقول له :
كن .
وعن بشر وأبي القاسم الكعبيّ أنّه يفنيها بأن لا يفعل لها البقاء .
وعن أبي الحسين الحنّاط أنّه يعدمها ابتداء كما أوجدها ابتداء ، ويذهب إلى أن الإعدام مقدور كالإيجاد .
وذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أنّ الفناء معنى مضادّ للجواهر يوجده اللّه تعالى لا في محلّ فينتفي عند وجوده ، كذلك سائر الجواهر كالبياض الواحد الذي يطر أعلى محلّ يصادف فيه سوادات كثيرة فانّه يفنيها كلّها . ثمّ اختلفا ، فقال أبو علي : طريق إثبات هذا المعنى العقل وحده ، وقال أبو هاشم : طريق إثباته السمع والعقل ، قال : لأنّه ليس في العقل ما يدلّ على جوازه ولا على إحالته ، فإذا علمنا بالسمع أنّه ينتفي العالم بما فيه من الجواهر والأعراض ، وقد علمنا أنّ الباقي لا ينتفي إلّا بضدّه « 1 » أو ما يجرى مجراه ، وعلمنا أنّ الجواهر ليس له ما يجرى مجرى الضدّ ، علمنا أنّ له ضدّا يوجده تعالى ينتفي عنده الجواهر ، وسميناه فناء .
ولمّا وافق السيّد المرتضى أصحاب أبي هاشم في إثبات الكون معنى زائدا على الكائنيّة ولم يوافقهم في القطع على بقائه ، بل توقّف وشكّ في بقاء الكون ، توقّف أيضا وشكّ في إثبات الفناء معنى مضادّا للجواهر ، وجوّز أن يكون انتفاء الجواهر بانتفاء الكون ، بأن لا يفعل الفاعل الكون وما سبق فعله له لانتفى « 2 » فينتفي الجوهر لكون وجوده مضمّنا بوجود الكون .
وقد تمسّك أبو علي وأصحابه في إثبات الفناء من طريق العقل بأن قالوا :
هامش
( 1 ) م : بضدّ .
( 2 ) م : لا ينفى .