تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
حاله بحال من أظهر أنّ في الكوّة حيّة ثمّ يدخل يده فيها فانّه يستدلّ بذلك على أنّه يكذب في قوله أنّه يعتقد أنّ في الكوة حيّة . فالجواب عنه : إنّه يجوز أن يعتقد الإنسان البعث والنشور والعقاب ويقدم مع ذلك على المعصية تعجيلا للذّة ، وتسويفا للتوبة ، ورجاء لمغفرة اللّه تعالى ، وطمعا فيها ، كما يعتقد الإنسان أنّ في الكوة حيّة ، ومع ذلك يدخل يده فيها إذا اعتقد أنّ فيها ذهبا كثيرا وأنّه ربما يسلم من الحيّة ، أو لأنّه أعدّ ترياقا يدفع ضرر الحيّة . واحتجاجه أيضا بقوله تعالى :
« إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ »
« 1 » غير صحيح ، لأنّ هذا القول انّما يدلّ على أنّ المنافق فاسق ، وهكذا نقول ، ولا يدلّ على أنّ كلّ فاسق منافق . وأمّا قول الخوارج بأنّ كلّ فاسق يسمّى كافرا فباطل أيضا ، لأنّ الكفر هو الجحود والتكذيب بالقلب على ما بيّناه بما أوجب اللّه على المكلّف ، والفاسق الملّيّ غير جاحد لذلك ، لأنّه وإن ارتكب المعصية فانّه مقرّ بأنّها معصية ، وأنّ الواجب عليه أن ينتهي منها ، فلا يكون كافرا . يبيّن ما ذكرناه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه بعده قد أقاموا الحدود على قوم ولم يسمّوهم كفارا ولم يجروا عليهم أحكام الكفّار من المنع من الصلاة عليهم ومن الدفن في مقابر المسلمين إلى غيرهما من الأحكام الجارية في الكفّار . يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّ الكفر في أصل موضوع اللغة هو الستر والتغطية ، وعلى هذا يقال : تكفّر فلان بالسلاح ، أي تستر وتغطّى به ، ثمّ نقل بالشرع إلى من يستحقّ العقاب الدائم ، ويجري عليه الأحكام المخصوصة التي تكررت
هامش
( 1 ) التوبة : 67 .