إنّما سمّاهم مؤمنين بعد قول جميع ما تقدّم ذكره .
قلنا : الآية لا تقتضي نفي اسم الإيمان عمّن ليس بالصفات المذكورة فيها ، وانّما يفيد نفي التفضيل والتعظيم ، وكأنّه تعالى قال : إنّما أفاضل المؤمنين وخيارهم من كان بهذه الصفات ، كما يقول أحدنا : إنّما الرجل من يملك نفسه عند الغضب ، وإن كان من لا يكون كذلك لا يخرج عن كونه رجلا ، وإنّما يخرج عن الفضل والكمال ، وكذا في قولهم : إنّما المال التبر ، وإنّما الظهر الإبل ، لأنّ مرادهم بذلك نفي التفضيل من غير التبر ومن غير الإبل ، على انّا لو سلّمنا لهم أنّ لفظ « مؤمن » منتقل إلى مستحقّ المدح والثواب لوجب إجرائه على العارف باللّه وتوحيده وعدله .
فإن قالوا : ثواب معارفه قد انحبط .
قلنا : قد بيّنا فساد القول بالإحباط فبطل ما قالوه .
فإن قالوا : قوله تعالى :
« بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ »
« 1 » يدلّ على أنّ اسم الفسوق واسم الإيمان لا يجتمعان ، لأنّه تعالى قال : « بعد الإيمان » .
قلنا : غير مسلّم أنّه تعالى أراد بقوله : « بعد الإيمان » بعد زوال اسم الإيمان حتّى يكون لكم فيه حجة ، بل بم تنكرون على أنّه أراد بعد أن كان يسمّى مؤمنا فحسب ، ولم يسمّ معه بأنّه فاسق ، كما يقول القائل : جاءني زيد بعد عمرو ، فانّه لا يدلّ على أنّ مجيء زيد كان بعد موت عمرو أو بعد خروجه من عنده ، بل انّما يدلّ على أنّ مجيئه كان بعد مجيء عمرو ، وإن اجتمعا عنده وكانا حاضرين عنده في حال قوله هذا .
يبيّن ما ذكرناه قوله تعالى :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »
« 2 » فانّه يفهم منه أنّ من المؤمنين من يلبس إيمانه بظلم فيكون مؤمنا ظالما ، والظلم من
هامش
( 1 ) الحجرات : 11 .
( 2 ) الأنعام : 82 .