والجواب : أنّه تعالى حكم بأنّ من على وجهه غبرة ترهقها قترة هم كفرة فجرة ، فحكم بذلك على الجملة ، فلا يمتنع أن يكون بعضهم كفرة وبعضهم فجرة ، لأنّه قد يحكم بأنّهم كفرة فجرة إذا كان بعضهم كفرة وبعضهم فجرة .
وبعد فأنّ هذا التقسيم لا يمنع من قسم آخر كما قلناه في الآية التي تمسّكوا بها قبل هذه الآية ، وهم قوم على وجوههم غبرة لا ترهقها قترة ، وهم الفاسقون .
ومنها : قوله عزّ وجلّ :
« ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ »
« 1 » .
قالوا : والمراد بذلك الجزاء العقاب ، لأنّ الكافر لا يجازى بالثواب ، ومعلوم أنّ الفاسق يجازى بالعقاب ، فكان كفورا .
والجواب : أنّه تعالى أراد بذلك هل نجازى بعذاب الاستئصال ، إلّا الكفور ، لأنّه تعالى قد أجرى العادة بأن يعاقب بهذا الضرب من الجزاء الكفّار دون غيرهم ، لأنّ ما قبل الآية يقتضي ذلك ، لأنّ تعالى قال :
« فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ »
« 2 » .
وبعد فانّ ما دللنا به على أنّ الفاسق لا يسمّى كافرا يدلّ على صحة تأويلنا هذا .
ومنها : قوله تعالى :
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
« 3 » .
قالوا : وهذا عامّ في كلّ لم يحكم بما أنزل اللّه ، إلّا ما أخرجه الدليل .
قالوا : ولا يجب قصر ذلك على اليهود ، لأنّ الخطاب المستقبل بنفسه لا يجوز أن يقصر على مسببه .
هامش
( 1 ) سبأ : 17 .
( 2 ) سبأ : 16 - 17 .
( 3 ) المائدة : 44 .