تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الكبير الذي يسمّونه فسقا ، فتحقّق ما ذكرناه في تأويل الآية ، وكأنّه تعالى قال : بئس الحال حال من يسمّى فاسقا مؤمنا ، بعد أن كان يسمّى مؤمنا فحسب ، أي استحقاقه للتسميتين بعد استحقاقه اسم المؤمن فحسب . فإن قيل : إنّه تعالى جعل المسلمين في مقابلة المجرمين بقوله :
« أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ »
« 1 » فدلّنا ذلك على أنّ الإجرام لا يقارن الإسلام . قلنا : هذا الاحتجاج مبنيّ على القول بأن صيغ العموم مختصّة بالعموم المستغرق ، وليست مشتركة بينه وبين الخصوص ، وهذا غير مسلّم ، فمن أين أنّه تعالى أراد بقوله :
« كَالْمُجْرِمِينَ »
كلّ مجرم ، دون أن يقال انّه عزّ وجلّ أراد به الكفار ، لأنّهم من المجرمين ؟ . فأمّا قول الحسن البصري بأنّ الفاسق منافق فباطل ، لأنّ اسم النفاق يفيد إظهار الشيء وإبطان خلافه ، وهو مأخوذ من نافقاء اليربوع الذي هو في بيته الذي يعمل له بابين أحدهما خفيّ والآخر ظاهر ، حتّى إذا قصد أحد صيده من الباب الظاهر خرج من الباب الخفيّ ، فسمّي كلّ من أظهر شيئا وأبطن خلافه منافقا ، كما أنّ بيت اليربوع يظهر من أمره أنّ له بابا واحدا ، وله في الباطن باب آخر ، وما دلّنا دليل على أنّ هذا الاسم منقول عن معناه في اللغة وانّما علمناه بالعرف الشرعيّ أنّه اختصّ من يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، ونحن لا نعلم أنّ الفاسق يبطن خلاف ما يظهره من الإسلام ، فلم يجز أن نصفه بأنّه منافق . وأمّا استدلال الحسن بأنّ الفاسق يظهر الإقرار بالعقاب والثواب ، وفسقه يدلّ على كونه غير معتقد لهما ، لأنّه لو اعتقد هما لما أقدم على ما اعتقد أنّه يستحق به العقاب ، فلمّا أقدم على الكبائر علمنا أنّه لا يعتقد ما يظهر الإقرار به ، وتمثيله
هامش
( 1 ) القلم : 35 .
المنقذ من التقليد — صفحة 174 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي