النكرة في النفي هي التي نعم ، كقولك : ما في الدار رجل ، فانّه يعمّ ذلك كلّ رجل ، إذا تقرّر هذا فاللّه تعالى قد أنذر نارا منكرا وإن وصفها بالتلظّي ثم قال :
« لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى »
« 1 » وليس يمتنع أن يكون في جهنم عدّة نيران من جملتها نار متلظّية
« لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى »
« 2 » والخوارج لا تقول : إنّ الفاسق الملّيّ مكذّب .
ومنها : قوله تعالى :
« وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ »
« 3 » ، قالوا : والفسّاق تحيط بهم جهنّم ، فكانوا كفّارا .
والجواب : إنّه ليس في قوله تعالى :
« وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ »
أنّها لا تحيط إلّا بالكافرين ، كما أنّه ليس في قول القائل : إنّ هذه الدار محيطة بالأتراك أنّها لا تحيط بغيرهم .
ومنها : قوله تعالى :
« يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ . . .
الآية » « 4 » والفاسق يسوّد وجهه فيكون كافرا .
والجواب : أنّ هذه القسمة لا تمنع من قسم آخر ، وهو من لم يبيضّ وجهه ولم يسوّد ، بل بقي على ما كان عليه أو تغيّر لا إلى السواد وهم الفسّاق . يوضّح ما ذكرناه أنّ الفاسق من أوّل تكليفه لا يقول الخوارج بأنّه كفر بعد إيمانه ، فلا بدّ لهم أيضا من إثبات قسم آخر .
ومنها : قوله عزّ وجلّ :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ »
« 5 » قالوا : فقسّم الناس قسمين ، ومعلوم أنّ الفاسق على وجهه غبرة ، وليس وجهه بمسفر ، فوجب أن يكون من الكفرة ، لأنّه تعالى حكم بأنّ من هذه سبيله يكون من الكفرة .
هامش
( 1 ) الليل : 15 .
( 2 ) الليل : 15 - 16 .
( 3 ) العنكبوت : 54 .
( 4 ) آل عمران : 105 - 106 .
( 5 ) عبس : 38 - 42 .