عدّة الشهور دينا ، فإن حملوا هذه الآية على أنّه تعالى أراد بها الدين بما قاله تعالى في مثل ذلك ، حملنا آيتهم على مثل ذلك ، فيسقط احتجاجهم .
فأمّا قوله تعالى :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
وقوله :
« وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً »
، فانّ المراد به اعتقاد ما إظهاره يكون إسلاما . والتدين بما إظهاره الإسلام هو الدين بدلالة قوله تعالى :
« قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »
« 1 » وهذا ظاهر في أنّ الإسلام هو ما أشرنا إليه ، وأنّ الإيمان غير الإسلام ، ثمّ نقول لمن يذهب منهم إلى أنّ الإيمان عبارة عن فعل الواجبات دون المندوبات : إنّك تركت ما يقتضيه ظاهر هذه الآية ، لأنّ قوله تعالى :
« وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ »
يتناول الواجب والمندوب إليه من الصلوات ، فإن ساغ لك حمله على بعضه ساغ « 2 » لنا مثل ذلك .
فإن قالوا : قوله تعالى :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ »
« 3 » يبطل ما تذهبون إليه ، لأنّ المفسرين قالوا : المراد به الصلاة إلى بيت المقدس .
قلنا : لا نسلّم ذلك ، بل نقول : أراد بذلك التصديق على ما يعرفه أهل اللغة ، ولا يجوز الرجوع إلى أخبار آحاد وقول من ليس قوله حجّة ، ثمّ ومن الجائز أن يكون تعالى أراد التصديق أو التدين بتلك الصلاة .
فإن قالوا : قوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا »
« 4 » يدلّ على ما قلناه ، لأنّه تعالى
هامش
( 1 ) الحجرات : 14 .
( 2 ) جملة « لك حمله على بعضه ساغ » سقط في ( ج ) .
( 3 ) آل عمران : 171 .
( 4 ) الأنفال : 2 - 4 .