وبقوله :
« إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً »
« 1 » جميع الآكلين لأموالهم ظلما وإنّما يسلم لك العموم في تلك الآيات بعد أن تجيب عن المعارضة بهذه الآية ، فكيف سلّمت لنفسك عموم تلك الآيات قبل الجواب عن هذه المعارضة وبنيت الجواب عنها على ذلك التسليم ؟ وهل هذا إلّا إيقاف كلّ واحد منهما على صاحبه ، على ما ذكرناه في الكلام على صاحب الفائق على أنّه تعالى لو توعّد في هذه الآية على تلك الكبائر على الوجه الذي توعّد عليها في الآيات الأخرى بلفظ إثبات العقوبة في حقّهم ، كأن يقول : إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به ويعاقب الفارين من الزحف والفجّار وآكل أموال اليتامى ظلما ، لما كنّا نحكم بأنّه تعالى لا يغفر لواحد منهم ، فغير مسلّم أنّه تعالى لو توعّد في هذه الآية على هذه الكبائر بمثل ما توعد عليها في الآيات الأخر ، لكنّا نقول : إنّ الذي يغفره هو غير هذه الأفعال التي توعّد عليها ، بلى لو قال بلفظ النفي صريحا بأن يقول : ولا يغفر أكل أموال اليتامى ، ولا كذا ، أو بالعطف على الذي نفاه على ما قدّره الشيخ كأن يقول : إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ولا أكل أموال اليتامى ظلما ولا الفجور ولا الفرار من الزحف ، لكنّا نحكم بأنّه جلّ وعلا لا يغفر هذه الكبائر بغير التوبة ، وإنّما فرقنا بين العبارتين لتعارف المعلوم في مثلهما .
ألا ترى أنّ القائل إذا قال : أنا أضرب من يعصيني من عبيدي ، فإنّه لا يفهم من قوله هذا من التعميم ما يفهم من قوله : أنا لا أعفو عمّن يعصيني منهم ، وكذا إذا قال : في الدار رجال « 2 » أو فيها الرجال بلام التعريف ، فانّه لا يفهم من التعميم في الإثبات ما يفهم في النفي كقوله : لا رجل في الدار ، أوليس في الدار رجل ، فعلى هذا انّما يمكنه أن يجرى الوعيد بلفظ الإثبات في تلك الآيات مجراه بلفظ النفي إذا بيّن أنّ تلك الآيات المتضمّنة للوعيد عامّة ، وانّما يمكنه
هامش
( 1 ) النساء : 10 .
( 2 ) ج : رجل .