تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
ثمّ وإذا راعينا التلفيق بينما وأوجبناه وجب تأويل الآية على ما نقوله ، لا على ما يقوله . وبيان ذلك : أنّه تعالى لمّا قال :
« مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها »
كأنّه قال : لا تأمنوا من ذلك ، كالواحد منّا إذا قال لعبده : افعل كذا وكذا من قبل أن أضربك وأحبسك معجّلا . فانّ المفهوم منه التحذير والوعيد برفع الأمان ممّا ذكره . وإذا كان كذلك ، فانّه يحسن أن يعقّب هذا الوعيد بالوعيد القاطع بالعقاب الآجل ، كأنّه قال : يا أيّها الذين أوتوا الكتاب لا تأمنوا إن لم تؤمنوا من العذاب المعجّل بطمس الوجوه وردّها إلى ادبارها أو اللعن كلعن أصحاب السبت واقطعوا على العقاب الآجل ، وأنّه تعالى ينتقم منكم ولا يمهلكم حتى أن خطر ببالكم أنّكم ربما تخلّصتم من العقوبة المعجّلة ، فلا تظنّوا أنّكم تتخلصون من العقوبة الآجلة ، فاقطعوا على تلك العقوبة ، وهذا من أحسن ما يكون بين الآيتين من التلفيق والمناسبة . فأمّا على تأويله ، فانّه يبطل المناسبة بين الآيتين ويوجب التناقض بينهما ، لأنّه يصير تقدير الكلام : لا تأمنوا من العقوبة المعجلة التي ذكرتها وأوعدتكم « 1 » بها واقطعوا عليها ومن بين تجويز الشيء ورفع الأمان منه وبين القطع عليه تناقض ظاهر ، هذا أنّ أوّل قوله تعالى :
« لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ »
على أنّه لا يترك تعجيل العقوبة في حقّ الكافر ولا يخلّ به وإنّ أوّله على أنّ المراد به أنّه ربما يعجّل عقوبة الكفر والشرك ، أو أنّ الغالب هذا على ما ذكره كان تكرارا للمعنى الواحد ، إذ هذا المعنى الواحد مفهوم من قوله تعالى : « من قبل أن نطمس وجوها ، فيصير لغوا . وعلى تأويلنا لا يلزم شيء من ذلك . وكذا نقول في قوله تعالى :
« وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ »
إلى قوله :
« وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً »
، إنّه آية تامّة ، وقوله تعالى بعد ذلك :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
هامش
( 1 ) م : وواعدتكم .