حقّ الكافر ونفيه في الفاسق ، بل قيّده بقوله « لمن يشاء » ، لأنّه تعالى لمّا قال :
« وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »
، فذكر المفعول له « 1 » في الجملة الثانية صار تقدير الآية : إنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به لمن يشاء ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، لأنّه لا بدّ له من مفعول ثان ، لأنّ « يغفر » لا بدّ له من مفعولين ، فذكره تعالى في آخر الآية يدلّ على ذكره في الأوّل .
قال : وإذا صحّ هذا كان المراد بالآية ترجيح حال الكفر في حكمة اللّه تعالى في باب الأخذ بالعقاب المعجل على حال الفسق « 2 » . والأمر كذلك ، لا انّ الأغلب في حقّ الكافر الأخذ المعجّل بالعقاب أو الخذلان الظاهر ، فإن لم يؤخذ بالعقاب الظاهر لم يسلم من الخذلان الظاهر غالبا ، وليس يفعل مثل ذلك في حقّ الفاسق ، وإن كان لا يهمل الفسّاق أيضا من التنبيه بأخذ بعض الفسّاق بالهلاك المعجّل .
قال : وإذا علم ترجيح حال الكفّار على حال الفسّاق فيما ذكرنا صحّ تأويل الآية عليه ، وكان أولى من غيره من التأويلات ، لدلالة سياق الآية عليه . وسياقها أنّه تعالى ذكر هذه الآية في سورة النساء في موضعين ، فقدّم على ذكرها في أحد الموضعين بوعيد أهل الكتاب بالعقاب « 3 » المعجّل إن لم يؤمنوا ، فقال :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »
« 4 » ثمّ عقبه بقوله :
« وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
« 5 » ، وقدّم عليه في الموضع
هامش
( 1 ) « له » ليس في ( ج ) .
( 2 ) ج : الفاسق .
( 3 ) ج : العقاب .
( 4 ) النساء : 47 - 48 .
( 5 ) النساء : 48 .