وأمّا استشهاده الثاني بقوله جلّ جلاله :
« إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا »
« 1 » فأضعف وأظهر فسادا من الأوّل ، ولهذا لم يورد الآية بتمامها ، بل وقف على قوله تعالى « ولئن زالتا » ، ثمّ قال : الآية ، ولو أوردها بتمامها لظهر لكلّ أحد فساد استشهاده ، لأنّه تعالى قال :
« وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً »
فوصف نفسه بالحليم عقيب قوله :
« يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ »
، ونبّه بذلك على أنّه بسبب إمساكه السماوات والأرض عن الحركة والزوال والاضطراب يستحق بأن يوصف بأنّه حليم ، وإنّ هذا الصنيع ممّا يستحق به هذا الوصف وإنّ حلمه هو الذي يدعوه إلى ما ذكره ، كقول القائل :
إنّ زيدا أنعم على عمرو بكذا وكذا ، ثمّ قال : إنّه كان كريما ، أي أنّ زيدا كان كريما ، فانّه يفهم منه أنّ كرمه دعاه إلى ذلك ، فأيّ حجّة له في هذا الاستشهاد .
فأمّا وصفه تعالى نفسه بالغفور بعد وصفه بالحليم فممّا لا حجّة له فيه أيضا ، بل هو حجّة لنا عليه ودالّ على « 2 » أنّه أراد بالغفور إسقاطه العقاب عن المستحقّين ، لأنّه لو أراد به ما أراده بالحليم لكان لغوا وتكرارا لما ذكره وأفاده بالحليم .
فإن قال : ذكره للتأكيد .
قلنا : إنّ التأكيد إذا لم يفد فائدة زائدة على ما يفيده المؤكّد كان لغوا ، والكلام موضوع للإفادة ، وبالإفادة يخرج من كونه عبثا .
فإن قال : فلما ذا وصف نفسه بعد ذلك بالغفور ؟ .
قلنا : إنّه تعالى يستحقّ الوصف بالغفور في كلّ حال ، لإسقاطه العقاب
هامش
( 1 ) فاطر : 41 .
( 2 ) م : وذلك .