وقوله :
« وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ »
« 1 » . وقوله :
« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً »
« 2 » .
فنقول : هذه الآيات تدلّ على حصول العفو والمغفرة من جهته تعالى .
ووجه دلالة الآية الأولى أنّ تعالى ما نفى غفران الشرك مطلقا وعلى كلّ حال ، بل نفى ان يغفره تفضّلا ، فكأنّه قال : لا يغفر أن يشرك به تفضّلا وانّما يغفره استحقاقا ، فيجب أن يكون المراد بقوله :
« وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »
أنّه يغفره بغير استحقاق ، بل بالتفضّل ، لأنّه موضوع الكلام الذي يدخله النفي والإثبات والأعلى والأدون أن يخالف الثاني الأوّل ، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول ، القائل : أنا لا أركب إلى الأمير إلّا إذا دعاني إلى ذلك ، وأركب إلى من دونه إذا دعاني إلى الركوب معه . وانّما يحسن أن يقول : وأركب إلى من دونه وإن لم يدعني إلى ذلك . وكذا لا يحسن أن يقول : أنا لا آكل الخبز إلّا على الجوع ، وآكل الحلواء إذا جعت . وإنّما يحسن أن يقول : وآكل الحلواء على الشبع . وكذا لا يحسن أن يقول : أنا لا أتفضّل بالكثير من مالي وأعطي القليل منه إذا استحقّ عليّ . وإنّما يحسن أن يقول : أعطي القليل تفضّلا من غير استحقاق عليّ .
فإن قيل : كيف تقولون إنّه تعالى نفى غفران الشرك تفضّلا ، وإنّه يغفر الشرك استحقاقا « 3 » ، وعندكم أنّ الغفران لا يكون مستحقا قطّ ، لا بالتوبة ولا بكثرة الطاعة والثواب ، سواء كان غفران الشرك أو غيره من المعاصي ؟
فكيف يصحّ ويستقيم هذا الاستدلال على قاعدتكم ؟ .
قلنا : نحن إنّما نعارض بهذه الآيات استدلال الخصم بآيات الوعيد علينا في
هامش
( 1 ) الرعد : 6 .
( 2 ) الزمر : 53 .
( 3 ) م : بالاستحقاق .