تعالى إيّانا ، لأنّ الاستفهام إنّما هو طلب الفهم والعلم ، وانّما يطلب العلم من لا يعلم الشيء الذي يطلب العلم به ، وهذا فيه تعالى محال .
إذا تقرّر هذا : فالواجب أن ننازعهم في كون هذه الألفاظ مختصّة بالاستغراق في المجازات ، لدخولها في خطابه تعالى على ما هو ثابت فيما تعلّقوا به من قوله عزّ وجلّ :
« وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ »
« 1 » ، و
« مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ »
« 2 » ، و
« مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »
« 3 » ، وفي ألفاظ الجموع بلام تعريف الجنس ، ونطالبهم بالدلالة على صحّة ما ادّعوه فيها .
وقد استدلّوا على كون لفظ « من » و « ما » وأخواتهما مختصّة بالاستغراق في المجازاة بأنّ القائل : من دخل داري أكرمته أو أهنته أو أعطيته يحسن أن يستثنى كلّ عاقل من العقلاء وكلّ جمع من جموعهم من قوله ذلك ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته ألا ترى أنّه لا يحسن أن يستثنى من قوله بعض البهائم لمّا لم يدخل تحت لفظ « من » وطرّدوا هذه الطريقة في أخوات لفظ من وما ومتى وأين ، وكذا طرّدوها في ألفاظ الجموع بلام التعريف ، فأنّ من يقول :
أعط الرّجال أو القهم ، يحسن أن يستثنى كلّ رجل وكلّ جمع من جموع الرجال من قوله ذلك ، ولا يحسن أن يستثني بعض البهائم .
والكلام على استدلالهم هذا هو أن يقال : غير مسلّم أنّ الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته ، بل انّما يخرج منه ما لولاه لصحّ دخوله تحته ، فانّما حسن استثناء كلّ عاقل أو كلّ جمع من العقلاء من قوله : من دخل داري أكرمته ، ولم يحسن استثناء بعض البهائم ، لصحّة دخول كلّ عاقل تحت لفظ « من » وعدم هذه الصحّة في البهائم باعتبار مواضعة أهل اللسان .
هامش
( 1 ) النساء : 14 ، الجن : 23 .
( 2 ) النساء : 123 .
( 3 ) الزلزلة : 8 .