والثاني ممّا نردّ به عليهم : أن نعارض ونقابل عمومات هذه الآيات على تسليم قولهم في العموم بآيات الإرجاء وعمومها ، فانّها تقتضي العفو أيضا ، إذ هي من الأدلّة السمعيّة على وقوع العفو ونبيّن أنّه ليس تخصيص عموم آيات العفو بعموم آيات الوعيد بأولى من تخصيص عموم آيات الوعيد بعموم آيات العفو .
والثالث من الوجوه التي نوردها عليهم متوجّه على من جوّز العفو عقلا وذهب إلى سقوط العقاب به ، وذلك بأن نقول لهم : إنّكم بأجمعكم تخرجون من عمومات الوعيد التائبين ومن يزداد ثواب طاعاتهم على عقاب معاصيهم ، وإنّما تخرجون الفريقين من هذه العمومات ، لأنّ التوبة من مسقطات العقاب عندكم ، وكذلك زيادة الثواب ، فأخرجوا منها أيضا المعفوّ عنهم ، لأنّ العفو أيضا من مسقطات العقاب عندكم عقلا ، وقد زال الخلاف .
فأمّا الوجه الأوّل : في الكلام عليهم ، وهو منعهم من التمسّك بعمومات آيات الوعيد ، فطريقه أن نطالبهم بتصحيح ما ادّعوه من اختصاص صيغ العموم بالعموم المستغرق ، ونقول لهم : لم قلتم ذاك ؟ وبم تنكرون على من يخالفكم فيه ويقطع أو يجوّز اشتراك هذه الصيغ والألفاظ بين العموم المستغرق وبين الخصوص ، وقد زعموا أنّ « من » في العقلاء و « ما » فيما لا يعقل و « متى » في الأوقات و « أين » في الأماكن مختصّة بالاستغراق إذا وقعت نكرة في المجازاة أو الاستفهام ؟ وكذا ادّعوا في ألفاظ الجموع إذا دخلها لام تعريف الجنس أنّها مختصّة بالاستغراق ؟ « 1 » ولا حاجة بنا إلى منازعتهم في كون لفظ « من » وأخوته مختصّة بالاستغراق في الاستفهام ، لأنّ ذلك لو سلّم لهم لا يضرنا فيما نريده في منعهم من التعلّق بعمومات آيات الوعيد من حيث إنّ الاستفهام لا يدخل في خطابه
هامش
( 1 ) عبارة « إذا وقعت . . . إلى قوله : بالاستغراق » سقط في نسخة ( ج ) .