جاز لنا أن نقول : بل أراد من ارتضى الشفاعة له ، إذ لا بدّ من إضمار فعل يتعلّق به الرضا الذي هو الإرادة . فلا فرق بين أن يضمروا أفعالهم وطاعاتهم وبين أن يضمر الفعل المتعلّق بهم وهو الشفاعة لهم .
وقد قال بعض من تأوّل هذه الآية من أصحابنا : لا يمتنع أن يكون الرضا في الآية راجعا إلى المذنبين ويكون متعلّقا بإيمانهم دون فسقهم ، قال : لأنّه غير ممتنع أن يقال : فلان يرتضي فلانا ، وإن كان راضيا ببعض أفعاله وساخط لبعض آخر ، الا ترى أن أحدنا قد يقول : أنا أرتضي هذا النجّار وهو يريد في النجارة دون الصياغة وغيرها ممّا لا علم له به ولا يد له فيه ، وهذا وجه صحيح أيضا .
ومنها : قوله تعالى :
« أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ »
« 1 » ، قالوا : وهذا صريح في أنّ من حقّت عليه العقوبة لا يعفو تعالى عنه بشفاعته عليه السلام .
والجواب أن نقول : نحن لا نذهب إلى أنّ من حقّت عليه كلمة العذاب يشفع النبيّ عليه السلام فيه وأنّه ينقذه من النار ، لأن من حقّت عليه كلمة العذاب هو الذي جاء الوعيد القاطع على عقابه ، ومن توعّده اللّه تعالى بالعقاب قطعا ، فانّ النبيّ عليه السلام لا يشفع فيه ولا ينقذه من النار . وقد قال تعالى :
« وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ »
« 2 » .
ومنها : قوله تعالى في وصف يوم القيامة :
« لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ »
« 3 » .
والجواب أن نقول : لا بدّ لنا ولكم من تخصيص هذه الآية ، لأنّا وإيّاكم أجمعنا واتفقنا على أنّ للنبيّ عليه السلام شفاعة مقبولة يوم القيامة وأنّه يجزي
هامش
( 1 ) الزمر : 19 .
( 2 ) الزمر : 71 .
( 3 ) البقرة : 48 .